رئيس مجلس الإدارة   ..
دكتورة  / نبيــــــــــلة ســـــــــامي                  

تحيا مصر تحيا مصر                                                

الاعلام البديل 

الجمعة 22 نوفمبر 2019 3:03 ص توقيت القاهرة

زمن الغدر

الأديبة : سحر القوافى

يتوقف حاضره عند التقاء مياه الواد بأمواج البحر فيتقمص أعماقه خوف يرتعد له جسده ويتصبب منه العرق الذي يبلل ملابسه الداخلية فيشعر بالبرد يتسلل إلى روحه..ترتسم أمامه أسفار العذاب كأشباح رهيبة وأياد ضخمة سوداء تريد اغتياله وتمتد إلى رقبته..فيشعر بالاختناق ويفتح ازرار قميصه العليا وهو يتمتم بكلمات الاستغفار والدعاء ..وأمامه في المدى تتراقص ومضات من جدائل الشمس الهاربة أمام السحب الزاحفة في الأفق وعلى الصدر تنثر رماد الخريف المتعطش لزرقة السماء ولمعان النجوم..تقطر الظلال على وجه الأرض العطشى كقطرات المزن بعد قحط الصيف وحره وتمازح الٱهات الصاعدة من غياهب أعماقه الحزينة..أين تحترق الأماني والٱمال وتجدد ..مازال الجرح نازفا والوجع يكبر ويكبر ليغطي الدروب الصاعدة حتى القمة..توجعات المخاض العسير تحمل سفر الموت والميلاد..نظراته القلقة الحيرى تنفذ بين أغصان الشجر الأخضر الملتفة وتنزلق عبر الجدوع حتى تلامس وحل التربة الخصبة الندية ..ثم ترفع مشدودة إلى ضباب الٱفاق ..وصمت الٱماسي الخريفية الممزق بأنين العواصف يتردد نشيجها في فؤاده المعنى بشتى أنواع العذاب والألم..جراح وجراح تكدست وتصلبت كالصخور تدمي أضلعه وتحرق عمره وشبابه ..يجتر الخيبة الدافقة بامتعاض ويحاول التقاط الأمل ..
جالسا لوحده تحت شجرة صفصاف معزولة على ضفة الواد اليمنى يمسح على وجهه بيده من حين لٱخر ويداعب بأنامله لحيته الكثة المغبشة ببعض الشعيرات البيضاء وينفث أطياف الذكريات الخاطفة مع أنفاس السيجارة الملتهبة..تملأ أنفه رائحة الدخان معبقة برائحة التربة الندية يمتد بصره ببريق الزهو نحو الأرض المهيأة للزرع وتأخذ أقنعة المدينة المتلونة تسقط أمام عينيه تواليا..المدينة التي تبتلع السذج والمغفلين والمشردين وأطفال الشوارع والفقراء..وبنات الليل..وتسرق الأحلام والهدوء شوارعها الهائجة المتلاطمة التي تنيرها الأضواء الفاقعة المنعكسة على واجهات المحلات الزجاجية وأبوابها المعدنية والوجوه العمياء من اللهفة والخوف من المجهول وفقدان الحشمة والعفة ..يشعر بملق الزيف يتغلغل في شجر القلب..فيتملكه شجن فظيع يعتم أفقه ..وفقره المدقع ينغرز أشواكا في فؤاده المكلوم ويشعره بالاختناق والضجر ..فيتململ من واقعه مرسلا ٱهات متقطعة وقد ومضت بخاطره غصة الحياة الصعبة وتذكر تابور الأفواه الفاغرة المتراص والأيادي الشبقة قبالة سوق الفلاح تنتظر رحمة الرب لاقتناء القهوة والحليب والسكر وأشياء أخرى في ظل التقشف الرهيب الذي تعيشه البلاد..تنفس بعمق وتمتم بشفتين جافتين مرتعشتين الدنيا خداعة والزمان دوار والناس تلهث بلا توقف..
وفجأة اعترته قشعريرة من برودة نفحات النسيم الصافعة لجسده ..فانكمش حول نفسه..ثم اشعل سيجارة أخرى ليتدفأ بحرارة دخانها المتدفق إلى صدره..كانت خيوط الدخان المتصاعدة تحاكي مياه الواد المتهادية في المجرى كمرٱة تجدد تغبشها لجة البحر على بعد مسافة قريبة منه..تصطخب برأسه الدائري ذي الشعر الأسود عشرات الأسئلة..وقد طاف ببباله طيف والدته الحبيبة ورٱها تحضنه وتضمه إلى صدرها الدافىء وهي تبتسم لعلامات الاستغراب والحيرة البادية عليه ..صامتة هادئة وعلامات الرضا متجلية في تقاسيم وجهها الأسمر المستدير وحاجبيها المقوسين بشكل هلالين فوق عينيها الحوراوتين وقد ازداد بريقهما وأخذ يتصاعد شيئا فشيئا ..تشعان بالحنان والحب والعطف..وبدا له طيف والدته يحاوره ويتحدث إليه..فراح يمطره بالاستفهامات الحائمة في رأسه..تائه كطفل صغير يجمع عتمة الظلام وضوء الشمس بكفه يعجنهما معا ويكتشف غامضا لأول مرة ..أسئلة شاردة تطارد إجابات مبهمة ..يدور في حلقة مفرغة..
كيف يهرم الشجر الأخضر العملاق وتتيبسالخمائل كهذه الصفصافة..تصفر أوراقه وتسقط وجذوره تغتسل في الماء وتغوص في التربة الخصبة كما احلام طفولتي؟!
ترسل حفيفا حين تداعبها الرياح..مرة تدوسها الأقدام..قد تسقط في الواد فتجرفها المياه الجارية نحو البحر..قد تصبح غداء للسمك او تقدفها الأمواج إلى الشاطىء مع الأوحال العالقة بقعره أو مع الأصداف واللالىء..من يدري ربما تحللت وامتزجت بالتربة التي تغدي الشجر العملاق..
غارق في دوامة من الوهم والحيرة والخيالات الغريبة تتكدس كالضباب يلف قريته الغارقة في بحيرة من الأحلام القادمة مع نفحات التغيير التي بدأت تهز البلاد وتغازل الشمس ..وتعبر في صمت على المقابر الغارقة في هدوئها القدسي القاتل..وهي تثير الرهبة والحزن في النفوس..كم ستطول التضحيات لينعم الجميع بالدفء والأمان..حيث لا تسمع التفجيرات ولا تذاع أخبار الاغتيال والاختطاف..ومن يمكنه أن يوقف دوامة الفوضى والتشتت والضياع..؟!
جالس تحت صفصافة عالية ينعي ذاته المتوجعة وأيامه الباردة ودربه الطويل الممتد نحو المجهول..والأحلام الجميلة تهرب من أصابع الأيام..لم تفلح شهاداته المتعددة ولا تحصيله العلمي في تغيير شيء من واقعه..استوى الأعمى والبصير ..دوامة مستمرة من الفوضى تعصف بواقعه وخواطره..ظلام دامس وقر شديد يلازمه..وقد أخذ اليأس يتسلل إلى فؤاده ويلف كل الأشياء من حوله..ثمة هاجس يدعوه للإنتحار..تقلقه أوضاع البلاد المتعفنة..يتذكر خيباته ويتجرع مرارتها..عندما راح يجوب شوارع المدينة كمجنون صفعته أهوال الليالي..
رأى في أزقة المدينة ومنتدياتها ومقاهيها أسرار الشهرة والعهر والصفقات المشبوهة.. خفايا تسترت تحت جناح الديجور..رأى كيف تدار كواليس السياسة والفن والرياضة.. وتحاك المؤامرات والدسائس وكيف تباع العفة وتبتاع المتعة والشهوة ..وتبتر أعضاء أطفال الشوارع وتنتهك اعراضهم في تكتم فظيع عن الجرائم..أبصر وجوه المشاهير من غير أقنعة ومساحيق تزين أجسادهم وتواجدهم..لقد تعرت أمامه الأرواح بكل أسرارها الدفينة..شهد كل الرعونة والعربدة والاستهتار الذي يزعزع شوارع المدينة والوطن في زمن الغدر والوهن..رأى تجار المخدرات والممنوعات يتسكعون ويحتلون الزوايا والأزقة الضيقة..وشاهد ذاك الذي يدعي أنه راعي الأمة ويخطب فيها كأنه رسول العدالة الجديد يروي الأزقة بدماء الأبرياء المعارضين لأفكاره وتحرق زبانيته المحلات التجارية والإدارات العمومية والمصانع وتغتال رجال الإعلام والثقافة الذين يفضحونه وتنسب جرائمها للإرهابي الغريب القادم من وراء الحدود..لفحته ريح العفن التي مست جميع أرجاء الوطن..أصبحت تراوده فكرة الانتحار كلما أبصر جسرا أو انحدارا شديدا..
يجلس خالد إلى غربته التي تسد عليه منافذ الحياة الجميلة وتلقي به في صراع داخلي محموم..ولم يتبق له من أمل سوى ذاك المنبعث من نظرات أمه المشعة بالعطف والعطاء الذي لا حدود له..رفع بصره إلى السماء فرأى الشمس تدنو من الغروب..نهض من مكانه ونفض الأتربة التي علقت بسرواله ..ثم انطلق عائدا إلى بيته الصغير حيث يشعر بالسكينة ..وما إن بلغ مدخل القرية حتى رأى جمعا من النسوة يهرولن ..أمامه ..يسلكن دربه ولما اقترب من البيت سمع العويل والنحيب يتصاعد من بيت الشيخ علي إمام مسجد القرية ؛ لقد اغتالت الجماعات الغريبة المتاخمة في الجبال ابنه المعلم وابن عمه الضيف بمحاداة المدرسة أمام أعين البراءة ..سارع الخطى نحو امه ليخبرها بهول الفاجعة التي ضربت القرية..طرق الباب بيد واهنة مرتجفة أحس أثناءها أن أنامله ستنفصل عن راحته..انفتح الباب على عيني والدته تغوص في شحوب وجهه الممتقع ..بلع ريقه بامتعاض شديد وكسف بصره نحو الأرض التي أصبحت تعكس خدشات انكساره وتموج في دوامة مريعة..صفق الباب خلفه مطبق الشفتين معبئا بالوجع..يحاول أن يلملم شتات أفكاره ويفتش عن طريقة ما ليخبر والدته بالواقعة الأليمة..كان الدوار قد بدأ يموج برأسه..تغشى بصره غمامة تحجب عنه النور والأشياء ..فأخذ يترنح كالسكير..يحاول أن يستجمع الكلمات..ووالدته تنظر إليه باستغراب ووجل..وفجأة دنا منها وارتمى في حضنها باكيا..وهو يقول..لقد قتلت أيدي الغدر معلم القرية وابن عمه يا امي..لقد باغتوهما أمام المدرسة..انتفضت الأم مذعورة كأنها لا تصدق ما يحدث تردد : ماذا تقول يابني..؟!ماذا تقول؟!
فاخذ خالد يعيد على مسامعها ما قاله والحسرة تملأ روحه وجسده يرتعد من هول الصدمة وهو يرى وجه أمه قد شحب واصفر .وراح كأنه محموم يهذي يصرخ : إنه زمن الغدر..إنه زمن الغدر..

تصنيف المقال : 

إضافة تعليق جديد

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.