
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن من أكبر نعم الله سبحانه وتعالي علي الإنسان هو نعمة الوقت، وقال صلوات الله وسلامه عليه كما في الحديث الذي يرويه ابن عباس رضي الله عنهما "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ" رواه البخاري، فيا أختي الكريمة إن وقتك هو عمرك الذي تعيشينه فاحرصي على إستغلاله فيما يقربك من الله عز وجل وإبتعدي عن سفاسف الأمور وتوافهها، واعلمي أن الساعة بل الدقيقة التي تذهب من عمرك لن تعود إلى يوم القيامة واليوم الذي أذنت شمسه بالمغيب لن يعود إلى يوم الدين، وقد كان السلف رضوان الله عليهم يحرصون على إستغلال أوقاتهم أشد الحرص، فهذا يحيى بن زكريا عليهم السلام وهو طفل صغير يقال له من قبل أقرانه هيا بنا نلعب فيقول ماللعب خُلقنا، ويقول ابن مسعود رضي الله عنه ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه اقترب فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي.
فلله دره هو صحابي جليل ساقاه النحيلتان أثقل في الميزان من جبل أحد كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عمر قال لما أحتضر لم آسف على شيء في الدنيا إلا على ثلاث ضمأ الهواجر ومكابدة الليل ولم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت بنا يعني الحجاج" ولقد كان صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم أشد خشية لله وأشد خوفا من الله تعالي، فهذا هو الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه لما حضرته الوفاة جعل يبكي، فقيل له أتبكي وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت وأنت؟ فقال ما أبكي جزعا من الموت أن حل بي ولا دنيا تركتها بعدي، ولكن هما القبضتان، قبضة في النار وقبضة في الجنة فلا أدري في أي القبضتين أنا، ويقول الحسن بن عرفه رأيت يزيد بين هارون بواسط وهو من أحسن الناس عينين، ثم رأيته بعد ذلك بعين واحدة ثم رأيته بعد ذلك وقد ذهبت عيناه.
فقلت له يا أبا خالد ما فعلت العينان الجميلتان، فقال ذهب بهما بكاء الأسحار، ولقد أخبر الحق سبحانه وتعالي عن حال الخائفين وقد أصبحوا في الجنة وهم يذكرون حالهم في الدنيا، فيقول تعالي " وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم" والخائفون هم أهل القلوب الوجلة، حيث قال تعالى " الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم" والخائفون هم أهل الخشية من الله حيث قال تعالى "الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله" وقال ابن كثير هذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبار لما ينهون من الوعد والوعيد، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا قشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه خطاياه كما يتحات من الشجرة ورقها" رواه الطبراني.
والخائفون هم أهل البكاء، حيث قال عقبة بن عامر ما النجاة يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم " أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك وابك على خطيئتك" والبكاء من خشية الله تعالي هو سمة العارفين حيث قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما لأن أدمع دمعة من خشية الله أحب إلي من أن أتصدق بمائة ألف درهم، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من بكى من خشية الله فأن الله يظله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله فقال صلى الله عليه وسلم "ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه" بل حرم الله تعالي النار على من بكى من خشيته حيث قال صلى الله عليه وسلم "لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع" وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم "حرمت النار على عين دمعت أو بكت من خشية الله" وكلا الحديثين صحيح.
وفي الأثر الإلهي " ولم يتعبد إلي المتعبدون بمثل البكاء من خشيتي" والخائفون هم أهل الهمّة في الطاعة، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان في وجهه خطان أسودان من الدموع وكان يأخذ تبنة من الأرض ويقول "يا ليتني كنت هذه التبنة، يا ليتني لم أك شيئا مذكورا" وهذا أبو عبيدة بن الجراح يقول "وددت أني شاة فيذبحني أهلي فيأكلون لحمي ويحتسون مرقي" وهذا عبد الله بن المبارك يقول "لو أن رجلا وقف على باب المسجد ونادى ليخرج شر الناس لما سبقني إليه إلا رجل أوتي أكثر مني قوة أو سمعا" ولكن يا ايها المسلمون لماذا اولائك خافوا؟ لأنهم خافوا من الله لاسباب، وهو معرفتهم بالله تعالى حيث قال تعالى "وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون"
إضافة تعليق جديد