
الحمد لله الذي كان بعباده خبيرا بصيرا، وتبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، ثم أما بعد ذكرت المصادر بأن الصراع الدولي الناشب في ميادين متعددة على أرض العالم الإسلامي اليوم يمثل نوعا آخر، لم يكن للبشرية عهد به منذ قرون إذ يتضح يوما بعد يوم أنه صراع واضح بين الحق الصريح والباطل الصارخ، أي بين حق الإسلام، وباطل الأعداء، الذين تأتي الصهيونية الأمريكية بشقيها اليهودي والنصراني في مقدمتهم، حيث أطلقت الولايات المتحدة حربها التي سمتها الحرب العالمية على الإرهاب بعد أن لعبت بمصطلح الإرهاب لكي يكون مرادفا للإسلام شيئا فشيئا، ولكي يكون هذا المصطلح صالحا.
لأن يطلق على أشخاص دون أشخاص، ودول دون دول، وجماعات دون جماعات، وممارسات دون ممارسات، كما عُرف ذلك من مواقف الأمريكيين وحلفائهم من الإرهاب الصهيوني في فلسطين، والروسي في الشيشان، وإرهاب عملاء أمريكا في كل مكان، وكذلك إرهاب أمريكا نفسها في أفغانستان والعراق والصومال والسودان ولبنان، وغيرها مما قد يأتي بعدها، وعندما شنت الولايات المتحدة حربها العالمية على ما أسمته الإرهاب، جعلت جزءا رئيسا من هذه الحرب الصليبية، مواجهات فكرية، تستهدف حضارة وثقافة وقيم الأمة الإسلامية، وقد إستلزم ذلك أن يبدأ الأمريكيون عملية تضليل كبرى، لصرف المسلمين عن أُصول دينهم، وأُسس شريعتهم وعقيدتهم، لتحل محلها ما يسمونه قيم الغرب الداعية إلى الليبرالية بجميع أنواعها في السياسة والإقتصاد والإجتماع والدين والثقافة والإعلام.
وقد تكاثرت في السنوات الأخيرة نداءات المخططين والمنظرين والمتنفذين في الغرب بضرورة إشعال وتوسيع وتطوير حرب الأفكار ضد العالم الإسلامي، وقد كان أول من أطلق هذا المصطلح، ووضع له الأساس الفكري القاضي الأمريكي لويس باول، في بداية السبعينيات من القرن الماضي، وكان يريد من نشره وتفعيله، مواجهة الأيديولوجيات المعارضة والمعادية للرأسمالية، وتحمس لفكرته أحد اليمينيين المتطرفين وهو وليام كورز، فأسس مراكز للأبحاث لهذا الغرض، لكن وزير الحرب الأمريكي المقال المهزوم دونالد رامسفيلد هو أول من أطلق شرارة حرب الأفكار ضمن ما أسمته أمريكا الحرب على الإرهاب وذلك عندما دعا في مقابلة صحفية في خريف عام ألفان وثلاثة ميلادي، إلى شن تلك الحرب وظل يردد الكلام عن أهميتها، حتى أواخر بقائه في منصبه.
وقد أدلى بحديث إلى صحيفة الواشنطن بوست في السابع والعشرين من شهر مارس من عام ألفان وسته ميلادي، وقال فيه نخوض حرب أفكار، مثلما نخوض حربا عسكرية، ونؤمن إيمانا قويا بأن أفكارنا لا مثيل لها وأردف قائلا إن تلك الحرب تستهدف تغيير المدارك، وإن من المحتم الفوز فيها وعدم الإعتماد على القوة العسكرية وحدها، وعجيب أن يكون المسؤول الأول عن وضع الخطط العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية في أوج هياجها وإستعلائها، هو نفسه المتابع الرسمي لتلك الحرب الفكرية، حيث عقد مزاوجة لافتة بين ما هو عسكري وبين ما هو فكري، مؤسسا بذلك لحملة صليبية فكرية، موازية للحملة الصليبية العسكرية، وقد أفصح عن ذلك المسؤول العسكري المدني عن الغرض المبيت لتلك الحرب فقال في تصريح له في أكتوبر ألفان وثلاثة ميلادي.
نريد لشعوب الشرق الأوسط أن يكون إسلامها كإسلام الشعوب المسلمة في شرق أوروبا يقصد مسلمي البوسنة وألبانيا، الذين ذاب غالبيتهم إلا من رحم الله في قاع الحياة الأوروبية المادية، حتى صار الدين بالنسبة لأكثرهم مجرد إنتماء تاريخي، لولا المحنة التي تعرضوا لها على يد النصارى الصرب فأيقظت فيهم الحنين للدين بعد أن أبعدوا عنه، وما صرّح به رامسفيلد لم يكن أحلاما شخصية، ولا مجرد أمان أمريكية، بل هو توجه صليبي عام، يستهدف الإسلام بالتغيير، والمسلمين بالتغرير، وقد تبين ذلك من الحملة شبه المنظمة على شعائر الإسلام وشرائعه وحرماته ومقدساته في معظم بلدان أوروبا في الآونة الأخيرة، وفيما يخص حرب الأفكار تتابعت التصريحات والإيضاحات التي تحكي أبعاد تلك الحرب المعلنة، من قوى غربية عديدة معادية، وليس من أمريكا فقط.
إضافة تعليق جديد