بقلم الكاتبه/تغريد مصباح
اعتاد منذ عدة سنوات ، منذ أن مرضت زوجته ، أن يذهب إلى سوق المدينة الأسبوعي، لشراء مستلزمات البيت ، من فاكهة وخضروات وسلع تموينية ولحوم وفاكهة .
في البداية كان الأمر صعبا عليه جدا وثقيل على قلبه كثقل الجبال ، وذلك خوفا من نظرات الجيران ، ورواد السوق من الأقارب وزملاء العمل ، رغم أن السوق كان يعج بالرجال ، الذين يتسوقون مثله تماما لكنه لم يقبل على نفسه تلك المهاترات .
حينما دخل السوق لأول مرة ، انتابته حالة من الخوف ، من الصدام مع هؤلاء الباعة ، فلقد لاحظ أنهم ينظرون إليه نظرة دونية ، وأخذ هذا الشعور يتزايد ، حينما سألته إحدى البائعات عن زوجته
فتلعثم في الإجابة ، ثم رد بقوة ونبرة حزن
ـ الله يرحمها
كان هذا الرد كفيلا ، بان تقوم البائعة ، باختيار أجود الأصناف التي تبيعها ، وتقوم بوزنها ، ووضع أكتر من حبة زيادة على الميزان ، وتضعها في كيس فاخر ، وتناولها له بيديها الساخنة، التي تظهر عليها عناء العمل ، وتفوح منها رائحة السوق ، فعرف المغزى من هذا كله ، لقد أصبح فريسة .
مع مرور الوقت ، اكتسب الثقة شيئا فشيئا ، وتعلم كيف يتجول في أرجاء السوق ، يبحث عن أجود السلع بأرخص الأسعار ، بعدما ظل لفترة طويلة ، مطمعا للغشاشين من التجار ، الذين كانوا يستغلون قلة خبرته ، فيدسون البضاعة الرديئة في قاع الأكياس ، ويغالون في الأسعار ، وعندما يعود إلى زوجته ، محملا بأكياس الخضر والفاكهة ، تتفحصها وهى غاضبة ، وتنهره بعبارات لاذعة ، وتتهمه بأنه ساذج ، ومن السهل الضحك عليه ، من شلة البائعات اللواتي ، يسرح في حسنهن أثناء الشراء .
لكنه حينما دخل عليها ذات مرة ، وأخذت تتفحص السلع وهى مبتسمة ، فأدرك بأنه قد تعلم فنون الشراء ، وأصبح من الصعب أن يخدعه احد .
أكثر ما كان يلفت نظره في السوق ، المتحرشون واللصوص والشحاذون ، فالسوق بلد كبير لا يخلو من ثلاثتهم ، كان لا يمر أسبوعا، دون أن يتم القبض عن لص ، يحاول أن يسرق إحدى البائعات ، أو رواد السوق ، وغالبا ما تكون سيدة ريفية أو شاب من المدينة ، وكان يرى تلك المشاجرات ، وكم الشتائم التي يتلقاها اللصوص في السوق ، الجميع يتبرع بصحته وعافيته ، على اللص الذي لا يُرى في السوق بعدها أبدا ، فهو يختفي باحثا عن سوق أخر ، يجد فيه فريسة سهلة .
أما المتحرشون فحدث ولا حرج ، فالسوق ممتلئ عن آخره ، بالنساء والفتيات المختلفات الأشكال والألوان ، وجميعهن يكن صيدا ثمينا ، وغالبا ما يكون هؤلاء المتحرشون ، معروفون بالشكل ، فطرقهم تقليدية ومعروفة للجميع ، ورد الفعل دائما الضرب والشتائم ، حتى هو نفسه ، لم يسلم منهم ، فهم ينظرون إلى رواد السوق من الرجال ، على أنهم أنصاف رجال ، لكنه لم يسكت عن تلك المحاولة الدنيئة ، بل هرول خلف هذا المتحرش ، وركله في مؤخرته ، وحينما التفت إليه المتحرش ، صفعة على وجهه ، صفعة قوية أسمعت رواد السوق ، فتجمعوا وشرعوا يسألون عن ما حدث ، فشعر بالحرج وتلعثم وهو يخبرهم ، انه كان يحاول سرقة محفظته ، من جيبه الخلفي ، ففهموا مغزى ما حدث، فتجمعوا حول ذلك المتحرش ، وأوسعوه ضربا .
حينما عاد إلى زوجته ، اخبرها بما حدث له ، فظلت تضحك ضحكا هستيريا ، الأمر الذي دفعه إلى الحلف ألا يعود إلى السوق مرة أخرى ، وظل عدة أسابيع منقطعا عن السوق ، وعادت زوجته إلى التسوق من جديد ، حتى جاءت ذات يوم باكية ، وأخبرته أن احدهم قد تحرش بها ، فغضب غضبا شديدا ، وعاد رغما عنه للتسوق من جديد .
أما الشحاذون ، فكانوا كثيرا ما يمرون أمامه ، وكل منهم يحاول إظهار عاهته ، أو استخدام لغة الصراخ والبكاء ، يشكو حاله إلى رواد السوق ، حتى يحن عليه أصحاب القلوب الرقيقة ، لكنه كان على يقين بان كلهم لصوص ، لكن من نوع أخر ، يسرقون القلوب بعبارات دينية ، ودموع مزيفة ، ورغم تلك القناعة التي كان ينتهجها ، وجد من يقنعه ، فحن قلبه وأعطاها مما أعطاه الله ، كانت سيدة في الخمسين من عمرها ، ترتدي جلبابا أبيض ، وطرحة بيضاء صافية ، تحمل بين طيات يدها ، الأشعة والتحاليل ، وكأنها خارجة للتو من المستشفى ، تصرخ في رواد السوق بعبارة واحدة ، تكررها دوما
ـ ساعدوني يا أولاد ...
كان كلما رآها ، أخرج كل النقود المعدنية من جيبه ، ودسها في يديها ، فتظل تدعوا له بدوام الصحة والعافية ، والبركة في المال والولد ، وزيارة بيت الله الحرام ..
مرت الشهور ، واعتاد على السوق بمن فيه ، وصار لديه قناعة قوية ، بأنه قد استوعب هذا العالم الصغير ، الذي يسمى السوق ، وفهم ألاعيبه .
بينما كان مسافراً إلى إحدى المدن المجاورة ، وفى إحدى سيارات الأجرة ، جلس في الكرسي الخلفي للسائق ، حينما وقفت السيارة ، وركبت إحدى السيدات، كان يبدو عليها الوقار والاحترام ، ترتدي ملابس فاخرة ، وتلف حول رأسها طرحة من النوع القطيفة ، نظر إلى وجهها الأبيض الممتلئ ، أحس أنه قد رأى هذا الوجه من قبل ، ظل يعصر ذاكرته ، حتى وصل إلى عقله، تلك الشحاذة التي يعطف عليها في سوق مدينته ، لكنه كذب عقله وذاكرته ، فالفرق واضح ، وكبير جداً ، لكنه استيقظ على صوت السائق ، موجها كلامه تلك السيدة ، والتي كانت تجلس في الكرسي المجاور
ـ معاك فكه يا حاجة
فأخرجت كيسا ، ممتلئ عن أخره بالعملات المعدنية ، وأعطته لمساعد السائق ، لكي يأخذ منه ما يريده ، فأخذه وشرع يعد النقود ، ثم أعطاها الكيس ، ومعه ورقة فئة المائة جنيه ، فأخذت الكيس والورقة المالية ، وأخرجت رزمة من الأموال ، ودست كيس النقود في جيب عباءتها السوداء الواسعة ، فتأكد أنها هى شحاذة السوق ، أحس بأنه ساذج كبير ، ومن السهل الضحك عليه ، من هذه النصابة العجوز .
لم يفق إلا على صوت مساعد السائق ، وهو يطلب الأجرة من الركاب ، مد يده ليخرج الأجرة ، لكنه لم يجد حافظة النقود ، أخذ يفتش في جيوبه ، لكن محاولاته باءت بالفشل، فليس معه جنيها واحداً ، يبدو أنه قد نسى حافظة النقود في المنزل ، فبادر بالاعتذار إلى السائق ، بأنه لا يستطيع دفع الأجرة ، فيبدو أن حافظة نقوده ، قد سرقت منه أو سقطت من جيب سترته ، فرمقته المرأة بنظرة سخرية ، وقالت في تهكم واضح
ـ مش عيب تبقه شحط كده .. وتعمل الفيلم ده عشان تهرب من الأجرة
فنظر إليها نظرة غضب ، وغمزها بعيونه الواسعة ، وقال في تهكم واضح ، لا يخلو من السخرية
ـ ما بلاش أنت يا حاجة
إضافة تعليق جديد