رئيس مجلس الإدارة   
            د/ نبيلة سامى                   

                                               

          صحافة من أجل الوطن 

              (  مجلة مصر )

                             ( أحدث إصدارتنا)

الاثنين 9 فبراير 2026 11:48 ص توقيت القاهرة

النبي الأمّي الصادق الأمين .. لماذا ؟!

بقلم
هشام البدري

لاشك فى أن الله سبحانه وتعالى يعلم تماما متى يبعث برسالاته .. وأين يضعها .. ومع من يرسلها .. فكل شىء عنده بقدر .
يصطفى رسله من بين عباده كيفما يشاء .. و يصنعهم على عينه .. كما قال لموسى عليه السلام :
- ...... وَأَلقَيتُ عَلَيكَ مَحَبَّةً مِنّي وَلِتُصنَعَ عَلى عَيني ﴿٣٩ طه﴾ .
لذلك فإن أمّية النبى صلى الله عليه وسلم لم تكن من باب المصادفة أو العشوائية .. بل كانت معروفة ومقصودة ومخططا لها من قبل أن يُولد .. حتى أنه كان قد وُصف بها فى الكتب السابقة على القرآن الكريم كالتوراة والإنجيل .
حيث يقول الحق سبحانه وتعالى فى قرآنه الكريم :
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
- الَّذينَ يَتَّبِعونَ الرَّسولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذي يَجِدونَهُ مَكتوبًا عِندَهُم فِي التَّوراةِ وَالإِنجيلِ ....... 
(157الأعراف) .
- الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ 
﴿١٤٦ البقرة﴾ .
كما وصف سبحانه وتعالى قومه بنفس الصفة :
- هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿2 الجمعة﴾ . 
فما الحكمة من أُمّية الرسول صلى الله عليه وسلم ؟!. 
كانت أمّيتة صلى الله عليه وسلم عاملا حاسما ودليلا قاطعا وتأكيدا على أن القرآن الكريم هو كلام الله المنزل .. وليس كلام - أو تأليف - نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام .
مما يُعد إعجازا إلهيا .. عندما ينطق من عُرف واشتهر بين قومه بأمّيته بمثل هذه الآيات المعجزة .. وبما تتضمنه من فصاحة وبلاغة وإعجاز بيانى وعلمى .. وسط أّناس إشتهر بعضهم بفصاحة اللسان وبلاغة القول .. ويصل التحدى إلى مداه .. حينما ينطق بما لا يستطيع أحد منهم أن يأتى بمثل ما أتى به من آيات .. وبما يفوق قدراتهم وإمكاناتهم كشعراء وفصحاء وبُلغاء .. و أيضا بما يفوق قدراته وإمكاناته هو كبشر .
- وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴿٤٨العنكبوت﴾ . 
فالأمّى يُعلّم قوما من الأمّيين .. والأمّيون بعد ذلك يعلّمون البشرية كلها !! . 
فتتجلى طلاقة القدرة الإلهية فى زمنه وفى كل عصر من العصور التالية .. وحتى تقوم الساعة .
- وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ( 52الشورى) .
لكن كانت هناك دواع أخرى تحتم ذلك .. تتعلق بإعداده صلى الله عليه وسلم وتهيئته للقيام بأداء مهمته على أكمل وجه : 
فمثلا إذا أردت أن تقدم نوعا ما من الطعام .. وحرصت على أن يكون بنفس طعمه فور الإنتهاء من طهوه .. دون أدنى تغيير فى مذاقه أو تكوينه أو شكله .. وبالكمية المرادة .
فلا بد أن يُقدم هذا الطعام فى وعاء خال ونظيف تماما .. بل ومن الأفضل أن يكون هذا الوعاء فى أول إستخدام له .
وبالمثل إذا أردت أن تسقى إنسانا ما .. وحرصت على أن تسقيه ماء نقيا نظيفا طاهرا .
فلا بد أن يكون الوعاء الذى سيقدم فيه هذا الماء - أى الكوب - نقيا ونظيفا وطاهرا أيضا .. وخاليا تماما من أى شوائب أو مخلّفات .. حتى يصل الماء إلى شاربه كما هو دون أدنى تغيير فى صفاته أو خواصه .. وأيضا حتى يتسع لكل مايوضع فيه .
هكذا كان محمّدا صلى الله عليه وسلم .
حينما اختاره الله سبحانه وتعالى ليحمل آخر رسالاته .. ويُقدم من خلاله القرآن الكريم إلى البشرية .
فقد جاء به أمّيا أو بالأحرى جعله كذلك - نظرا لما أُحيط به من عناية إلهية .. ورعاية ربانية منذ مولده وحتى بعثه رسولا ونبيا . 
- وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ (69يس) .
ليكون وعاء نقيا ونظيفا تماما .. وصفحة ناصعة البياض .. لم يدون فيها شيئا من قبل .
فلم تلوث أفكاره أو تشوشها بعد أى من الثقافات المحيطة به .. أو بقايا التشريعات المحرّفة التى كانت موجودة فى ذلك الوقت .
كما كان طاهرا من دنس الوثنية وعبادة الأصنام .. ومما إعتاد عليه قومه من طباع وعادات كانت شائعة فى ذلك الوقت كالربا وشرب الخمر والمجون والزنا ولعب الميسر .. الخ .
فلما إمتلأ بالقرآن الكريم .. لم تجد آياته ما تختلط به داخله من أفكار أو معتقدات أو ثقافات أو آراء أو هواجس بشرية أخرى كانت عالقة به .. أو كان قد تأثر بها من قبل .
بل كان قرآنا خالصا .. صافيا .. نقيا .
ومن هنا كانت حتمية أُمّيته صلى الله عليه وسلم وضروريتها .. حتى لاتختلط آيات القرآن الكريم داخله بما يكون قد إكتسبه من ثقافات ومعارف أخرى .. فتخرج تلك الآيات عند نقلها للناس - أو حتى عند تطبيقها عمليا - شيئا آخرغير ما أراده الله .
أيضا .. كانت أمّيته ضرورية لشحذ همّته ورغبته فى أن يكون متعطّشا ومتشوّقا للعلم والمعرفة .. ومستعدا ومهيأ لإستقبال المزيد والمزيد من الوحى القرآنى وآيات الله .. والتشبُع بهما دون كلل .. ودون الشعور بالإمتلاء .. أو تحمل مالا يطيق .. فلا يُكلف الله نفسا إلّا وسعها . 
لذلك لم يكن صلى الله عليه وسلم مجرد حاملا أو ناقلا للقرآن الكريم فقط .
بل كان قرآنا مجسدا يمشى بين الناس .. نظرا لتشبعه به وتغلغله فى نفسه .. وتوحدهما معا .
وكما كان صلى الله عليه وسلم أُمّيا .. فقد كان أيضا صادقا وأمينا .. كسائرالأنبياء والمرسلين . وهما صفتان من الصفات العديدة التى كانت لصيقة به منذ الصغر واشتهر بها فى صباه .. حتى أنهم لقّبوه بالصادق الأمين .. وظلتا معه كجزء لايتجزأ من شخصيته حتى وفاته .
ولم لا .. وهو الذى سيكون المثل الأعلى لأمته وللبشرية كلها .
فصدقه فى حياته ومعاملاته .. كان ضروريا حتى يصدقه الناس فى أمر السماء .. عندما يتلو عليهم آيات الله .. حتى ولو جاءت بغير ما اعتادوه وألفوه .
أما أمانته الشديدة التى إشتهر بها بين أقرانه .. فقد كانت سببا فى نقل القرآن الكريم - من أمين الوحى جبريل عليه السلام - وتقديمه إلى البشرية كما هو .. أى كما تلقاه تماما .. وكما أراد الله عز وجل له .. واطمئنان الناس إلى ذلك .. دون زيادة أو نقصان .. ودون تغيير أو تبديل أو إضافة أو حجب لبعض آياته .. حتى لو ظنّ البعض خطأ أنها غير ذات معنى .. أو أنها قد جاءت على غير ما إعتاده العرب فى ذلك الوقت من طرق الكتابة .. مثل الأحرف التى أّفتُتحت بها بعض السور " ن , الر , طسم , كهيعص " .. وأيضا آيات الإعجاز العلمى .. التى سوف تفصح عن مكنونها وإعجازها مستقبلا بعد قرون بعيدة قادمة .. و كانت فى ذات الوقت تصطدم مع واقع ما يرونه بأعينهم ويلمسونه بأنفسهم فى بيئتهم الصحراوية آنذاك .. كالآية الكريمة : 
- وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّـهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴿٨٨ النمل﴾ .
فالقوم كانوا يرون الجبال ثابتة راسخة جامدة لا تتحرك !!.. والآية تفصح عن عكس ذلك !!.
إنها صدق الكلمة .. وأمانة إبلاغ الرسالة .
لقد إكتملت فى النبى محمد صلى الله عليه وسلم كل الصفات الحسنة والخصال الحميدة .. ويكفى أن الله سبحانه وتعالى - وهو الأعلم بعباده والمطّلع على أفئدتهم - قد إمتدحه فى قرآن كريم يُتلى ويُتعبد به فى كل وقت حتى قيام الساعة قائلا : 
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
- وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴿٤ القلم ) .
صدق الله العظيم .

 

تصنيف المقال : 

إضافة تعليق جديد

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
2 + 14 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.