

أصدرت منظمة الصحة العالمية بياناً منذ اشهر عدة أشارت فيه إلى أنها بصدد إضافة مرض جديد لقائمة الأمراض النفسية التي تتضمنها لائحتها السنوية التي تصدر في شهر يونيو/ حزيران من كل عام، وأطلقت عليه مرض «اضطراب الألعاب» وهو الناتج عن الإفراط في ممارسة ألعاب الفيديو. وقال البيان إنه بعد 10 سنوات من مراقبة ألعاب الكمبيوتر، قررت المنظمة تصنيف بعض اللاعبين المفرطين في ممارسة الألعاب الذين يعتبرونها أولوية على باقي مصالح الحياة الأخرى بأنهم يعانون «حالة صحية عقلية».
الطبيبة جيني راديسكي من الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال أشارت إلى أن الأطفال والمراهقين المفرطين في استخدام الألعاب الإلكترونية يقعون تدريجياً في قبضة الاضطرابات السلوكية والعضوية والنفسية. وأشارت إلى أن مصطلح «التوحد الإلكتروني» بات شائعاً للإشارة إليهم، إذ يتحولون بسبب ساعات اللعب الطويلة إلى شخصيات انطوائية، تميل إلى الاكتئاب والعزلة وتعاني الأرق، متوحدة بالكامل مع الواقع الافتراضي خاصة في ظل غياب أو ضعف العلاقات والرقابة الأسرية.
وأشارت راديسكي إلى أن فريقاً من أطباء منظمة الصحة العالمية أجرى دراسة مسحية نشرت في مجلة «علم النفس الإلكتروني» لمعرفة أسباب ارتفاع معدلات الانتحار في المرحلة العمرية بين 15 إلى 29 عاماً، وكانت من أهم دوافع شعور الشباب بالضياع والقلق والاكتئاب هي الممارسة المفرطة للألعاب الإلكترونية، إما بتخصيص ساعات طويلة للجلوس وراء الشاشات، أو بالإدمان على ألعاب معينة تحث على العنف
ففي خضم الاهتمام بالألعاب الإلكترونية نجد انها قد غزت معظم المنازل وازداد عدد مستخدميها وأصبحت جزءاً من حياتهم اليومية، وذلك نتيجة التطور والتقدّم التقني، وما يتمُّ طرحه بشكل شبه يومي من أجهزة وألعاب، وباتت هذه الألعاب تجذب جميع الفئات العمرية بتقنياتها ومؤثراتها ومحاكتها المليئة بالاثارة والمغامرات في العالم الافتراضى والخيال، وأدى انتشار هذه الألعاب إلى بروز دورها بوضوح في حياة الأطفال، بل إنَّها لم تعد حكراً على الأطفال فحسب، بل صارت من ضمن اهتمامات كثير من الشباب، وتعدى ذلك في بعض الأحيان إلى الكبار.
اللعب بصورة عامة يحسّن المزاج، ويساعد على الاسترخاء، سواء كان لعباً تقليدياً مثل ما يمارسه الأطفال والمراهقون حتى الراشدون في الهواء الطلق، أو اللعب الافتراضي مع أصدقاء من خلال الشبكة العنكبوتية، أو مع أشخاص من مختلف أنحاء العالم الناتج عن التقدم التكنولوجي والعولمة اللذين فُرضا على المجتمعات في وقتنا الحالي، فالثورة المعلوماتية التي تهيمن على العالم اليوم والخدمات الكبرى التي تقدمها للبشرية، جعلت الناس لا تلقي بالاً للأضرار الضخمة التي أحدثتها وتحدثها وستحدثها التقنية على الإنسان، إن استمرت ا بهذا الزخم المتسارع دون توعية بأضرارها المستحدثة، اذ ان أضراراً جسيمة ستلحق حتماً بالإنسان، بل وستصبح اللغة، التي هي إحدى أهم مكونات الحضارة في خطر.
فنحن بالثورة المعلوماتية امام خطر داهم إذا ما تمكن التكنولوجيون من ترجمة الكلام إلى نصوص، وقد بدأوا بالفعل في ذلك، مما ينذر بأن الأبجدية لكل لغات العالم في طريقها للانكفاء، وستأتي أجيال لا قدرة لديها ولا وقت للكتابة بالأبجدية، ولقد اوضحت بعض الدرسات أن الأجيال الحديثة من البشر ممن ولدوا في عصر التقنية هم أقل ذكاء اجتماعيا من الأجيال التي سبقتهم. وأن الأطفال الذين يقضون جل وقتهم مع أجهزتهم الذكية دون الاختلاط ببيئة الأطفال، ليس لديهم القدرة على التعبير عن عواطفهم ولا عن أنفسهم كبقية الأطفال، كما أنه ليس لديهم القدرة على قراءة تعابير الآخرين ولا الاستجابة لها، حيث إنَّ هؤلاء يتحدثون لغة مهزوزة ويعبرون بطريقة فقيرة، وبالتالي لابد أن يعرف الآباء والمربون أن ذكاء الطفل الإلكتروني لا يدل مطلقاً على ذكائه المطلق، بل إن أكثر الدراسات تنص على أنَّ ذكاءه متناسب عكسياً مع ذكائه اللغوي والعاطفي.إلى جانب سلبيات تتعلق بنوعية بعض هذه الألعاب، كألعاب العنف وألعاب تخالف القيم المجتمعية والدينية، فهناك ألعاب تمجّد استخدام المخدرات والكحول، وقد يلتقط المراهق هذه العادات في نهاية المطاف، وألعاب العنف تورث السلوك الإجرامي بشكل غير مباشر والإيماءات والألفاظ البذيئة التي تتضمنها معظم ألعاب الفيديو.
بل أن أحد مخاطر ألعاب الفيديو العنيفة هو زيادة العدوان عند الأطفال، لذا حريّ بأولياء الأمور التنبه لهذا الأمر، ومراقبة الأبناء في مرات التعاطي مع هذه الألعاب، ونوعيتها، إلى جانب التحري عن الأشخاص الذين يلعبون معهم وأعمارهم، حيث يمكن أن تتطور علاقة افتراضية غير مرغوبة تؤثر في ثقافة المراهق وتوجهاته الفكرية.
فان كنا لا نستطيع ان ننكر ان الألعاب الالكترونية اصبحت واقعاً من نسيج الحياة، تأسر عقول مراهقينا وأطفالنا، ويتهافت عليها الصغار وكذلك الكبار، وبالرغم من تعدد التحذيرات المحلية والعالمية حول مخاطر هذه الألعاب وتأثيرها على صحة وسلامة مستخدميها، لاسيما بعد تروج العديد من الألعاب الالكترونية التي دفعت بعض المراهقين للانتحار وارتكاب بعض السلوكيات الدخيله على المجتمع كالعزلة والعنف والعدوانية عدا عن ضررها على صحة الدماغ، وقدرتها على التسلل إلى خصوصية مستخدميها وتسريب البيانات الخاصة بهم، و أن مواكبة التكنولوجيا الحديثة هي واقع لا يمكن تغييره، الا انه لابد من ايجاد ثمة طرق وقائية ورقابية للحد من انتشار الألعاب الالكترونية الخطرة. لايقاف ما لها من تأثيرات سلبية خطرة تهدد حياة مستخدميها وتدفعهم إلى العنف وممارسة بعض السلوكيات الغريبة وصولاً إلى الانتحار وإيذاء النفس عدا عن انتهاك الخصوصية عبر تسريب المعلومات الخاصة بالمستخدم وتعريضه للابتزاز".
ومن ناحية التجريم والعقاب لمواجهة تلك الظاهرة الخطيرة وتداعيتها نجد أن القانون يجرم انتهاك الخصوصية في قضايا جرائم الألعاب الالكترونية وفقاً لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات والانترنت ، كما قانون حقوق الطفل بأنه للطفل الحق في احترام خصوصيته وفقاً للنظام العام والآداب مع مراعاة حقوق ومسؤوليات من يقوم على رعايته طبقاً للقانون، ويحظر نشر أو عرض أو تداول أو حيازة أو إنتاج أية مصنفات مرئية أو مسموعة أو ألعاب موجهة للطفل تخاطب غرائز الطفل الجنسية أو تزين له السلوكيات المخالفة للنظام العام والآداب العامة أو يكون من شأنها التشجيع على الإنحراف في السلوك.وكذلك فان قانون الجريمة الإلكترونية كما يساهم بشكل كبير فى أليات التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعى فانه يسمح للدولة بحجب جميع المواقع التى تؤثر على أمن الدولة أو الإساءة لها، على مرفق تنظيم الاتصالات المعروف بالجهاز القومى لتنظيم الاتصالات الدور بان يجد الاليات الفعالة لتنفيذ هذه القوانين ويحجب مواقع الألعاب الإلكترونية الخطيرة بان يقوم مخاطبة شركتى «جوجل» و«آبل» لحذفها من منصتهما فى مصر ويدعم ذلك أن الشركات العالمية تتعاون فى ذلك الأمر من خلال تجارب سابقة تمت بينها وبين الجهاز.ويحق أيضا لصاحب الموقع الاعتراض.
ان التعامل مع القضايا المتصلة بجرائم الألعاب الالكترونية بما فيها انتهاك الخصوصية، وعقوبة الترويج للألعاب الالكترونية المحظورة في الدولة يستوجب ان تضلع الهيئات المعنية في الدولة بدور اكثر ايجابية فيجب ان تحظر تداول بعض الألعاب الالكترونية التي تؤثر على فئة الشباب وبالأخص الأطفال منهم، وتمنع تفعيلها تلك الألعاب الالكترونية من خارج الدولة، وكذلك لابد ان يتم تصنيف تلك الألعاب الالكترونية من قبل مجلس الاعلى للإعلام، وتقوم هيئة الاتصالات بتنفيذ هذا الأمر، ويتم منع ترويج للألعاب الالكتورنية المحظورة في الدولة من خلال شبكة الانترنت ويتم استحداث تشريع يضع عقوبة لكل من سولت له نفسه في إرتكاب افعال اجرامية عن طريق تلك الألعاب ، وحتى يكون نطاق التجريم أوسع فيما لم يرد به نص خاص في ترويج للألعاب الالكترونية المحظورة في حين أن كل فعل قد يكون نتيجة ترويج تلك الألعاب الالكترونية المحظورة سواء كان الفعل مخلاً بالآداب والشرف والنظام العام أو يحرض مستخدم تلك الألعاب الالكترونية بإرتكاب جريمة أو مخالفة القانون يكون محلاً للمسائلة القانونية".
أن ضعف الرقابة والتواصل بين الوالدين والطفل تؤدي إلى وقوع حوادث بسبب الألعاب الالكترونية، لذلك يجب العمل على تشديد الرقابة على شراء وترويج الألعاب الالكترونية المصنفة ضمن فئات عمرية،وعلى جميع الجهات المعنية بما فيها الأسرة والمدرسة ومؤسسات المجتمع المدني وتنظيم الإتصالات ضرورية المشاركة في الحد من انتشار هذه الألعاب التي تولد سلوكاً اجرامياً لا اخلاقياً بين الأجيال.فبعد الخطر الذي شكلته بعض من هذه الألعاب وتحذيرات حكومات العديد من دول العالم، وإصدار المؤسسات الدينية بيانات وتعليمات بشان بعضها كما اصدرت من قبل دار الإفتاء المصرية فتوى في احداها حيث إن بعض هذه الالعاب تحمل مثل هذه المخاطر العظيمة التي تؤدي إلى الانتحار، فإن الواجب الشرعي والقانوني والاجتماعي أن تمنع منعاً باتاً، وأن يتابع مروجوها ليصلوا إلى أقسام الشرطة وساحات المحاكم، حتى ينالوا الجزاء المناسب لأفعالهم الخطرة للفرد والجماعة. لمنع هذا الضرر الذي يفتك بالشباب والشابات، لإن الإسلام يحرّم كل ما فيه إضرار بالنفس لحديث «لا ضرر ولا ضِرار في الإسلام» بل إن القرآن الكريم نهى نهياً صريحا عن إلقاء النفس إلى التهلكة أو محاولة قتلها كما في قوله سبحانه: (ولا تُلقوا بأيديكم إلى التَّهلُكة) وقال: (وتقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً) ولا فرق في جرم القتل بين من يقتل نفسه أو غيره، وقد بيّن الله تعالى ذلكم الإثم العظيم بقوله سبحانه: ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً). هذه الالعاب هي في ابتدائها إلقاء بالنفس إلى التهلكة، وقد تودى بالنهاية مباشرة لقتل النفس التي حرم الله، فكان الواجب التصدي لها، بمنع إنتاجها إن أمكن، وتوعية الناشئ بمخاطرها، وشغل الشباب والشابات بما ينفعهم من المعارف، وربطهم بالدين والأخلاق والقيم، من قبل الوالدين والمدرسين والمجتمع كله. فإن سبب انتشارها والخداع الناشئة بها هو الغفلة عن الله وعدم تحصين الناشئة بالدين والأخلاق، فيسهل انجرافهم في أي تيار مفسد، سواء كان على مستوى الأفراد أو الجماعات.
هذه مسؤولية الأبوين في المقام الأول بتقصيرهما في الأمانة التي استرعاهما الله بها، وقصر نظرهما في الأخطار المحدقة بناشئتهما ومستقبلهما.
وتبقى المسؤولية كبيرة أيضاً على المؤسسات التي توفر وسائل الاتصال الاجتماعي، حيث يجب ان تقم بواجبها نحو حجب البرامج والوسائل الهدامة..
إضافة تعليق جديد