
الحمد لله خلق الخلق وبالعدل حكم مرتجى العفو ومألوه الأمم كل شيء شاءه رب الورى نافذ الأمر به جف القلم، لك الحمد ربي، من ذا الذي يستحق الحمد إن طرقت طوارق الخير، تبدي صنع خافيه، إليك يا رب كل الكون خاشعة، ترجو نوالك فيضا من يدانيه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، أسلم له من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد ذكرت المصادر التاريخية الكثير عن مصرنا الحبيبة، وقد جعل الله تعالي جوها معتدلا وهواؤها نقيا وتتوسط الكرة الأرضية فهي بين آسيا وشمال أفريقيا، فليست هي ببلاد الطقس البارد والثلوج كروسيا وأوربا، ولا هي ببلاد الحر الشديد كالحجاز وأفريقيا، وهي منبت لجميع الثمار.
وأرضها خصبة لجميع الزروع، وكانت تسمى ببقرة الخلافة، أي إنها كانت تدر على دولة الخلافة في المدينة الكثير من الخير لما حدث بها جدب، وعن كعب الأحبار أنه قال من أراد أن ينظر إلى شبه الجنة، فلينظر إلى مصر إذا أخرفت وأزهرت، وإذا اطردت أنهارها، وتدلت ثمارها، وفاض خيرها، وغنت طيرها، ويقول شيخ الاسلام ابن تيمية "لا يقوم الاسلام إلا بمصر والشام ولا يموت الاسلام إلا بموت مصر والشام" وقال عمرو بن العاص ولاية مصر جامعة، تعدل الخلافة، وقد جباها في أول سنة عشرة ملايين دينار، وقد كانت تجبي قبل ذلك للروم عشرين مليون دينارا، فانظر كيف أتى الإسلام بالرحمة لأهل مصر، ولقد أرسل سيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه، إلى عامله في مصر أن يصنع كسوة للكعبة المشرفة، فصنعت الكسوة من عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وظلت كسوة الكعبة تصنع هناك في مصر سنة تلو سنة حتى مرت أكثر من ألف سنة وكسوة الكعبة ترسل من مصر إلى مكة ولم يتوقف ذلك إلا قبل قرابة المائة سنة، وقال سعيد بن أبي هلال مصر أم البلاد وغوث العباد، ولقد كانت مصر سلة الغذاء للأمة كلها فلما حدثت المجاعة في الجزيرة العربية لم يجدوا منقذا لهم يلجئون إليه إلا مصر في عهد نبي الله يوسف عليه السلام الذي قال " قال اجعلني علي خزائن الأرض إني حفيظ عليم " والذي إستطاع بفضل الله تعالي ثم بفضل تخطيطه الدقيق أن ينقذ الأمة من مجاعة محققة كادت أن تودي بالأخضر واليابس، وقص علينا القرآن الكريم قصة نبي الله يوسف الصديق عليه السلام، وكيف أنقذ الله تعالي على يديه مصر وما حولها من أزمة غذائية طاحنة، ألهم الله تعالي نبيه يوسف عليه السلام فخطط لها أحسن التخطيط لمدة خمسة عشر عاما.
أقام فيها إقتصاد مصر وكانت الزراعة أساسه ومحوره على زيادة الإنتاج، وتقليل الإستهلاك، وتنظيم الإدخار، وإعادة الاستثمار، حتى نجت مصر من المجاعة، وخرجت من الأزمة معافاة، بل كان لها فضل على ما حولها من البلدان، التي لجأ إليها أهلها يلتمسوا عندها الميرة والمئونة، كما يبدو ذلك في قصة إخوة يوسف الذين ترددوا على مصر مرة بعد مرة، وقالوا له في المرة الأخيرة " يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاه فأوفي لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين " وكان هذا التخطيط مما علمه الله ليوسف عليه السلام ومما أكرم الله به أهل مصر، وكان يوسف عليه السلام هو الذي رسم معالم التخطيط، وهو الذي قام بالتنفيذ، وهو لدى الدولة مصر مكين أمين، وعلى خزانتها وأمورها حفيظ عليم.
إضافة تعليق جديد