رئيس مجلس الإدارة   
            د/ نبيلة سامى                   

                                               

          صحافة من أجل الوطن 

              (  مجلة مصر )

                             ( أحدث إصدارتنا)

الجمعة 16 يناير 2026 1:50 م توقيت القاهرة

خلق نموذج إنساني تتجسد فيه كل مقومات الصلاح

بقلم / محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر الإسلامية أنه جاء عتبة بن ربيعة وهو أحد شيوخ المشركين أيام مكة يتحدث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بحديث طويل يريد أن يثنيه عن دعوته، وكان من بين ما قال أنت خير أم عبد الله؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت النبي، تأدبا وإعراضا عن الجاهلين، فواصل عتبة قائلا إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فقل يسمع لقولك، لقد أفضحتنا في العرب حتى طار فيهم أن في قريش ساحرا، وأن في قريش كاهنا، ما تريد إلا أن يقوم بعضنا لبعض بالسيوف حتى نتفانى، فلما عاين عتبة هذا الأدب الجم من رسول الله صلي الله عليه وسلم، خفف من حدة الحديث، وقال يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا.

حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا، يعني جنون أو مس تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يتداوى منه، وما زال عتبة يتحدث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بهذا الحديث الذي لا يخلوا من التعريض أو من التجريح، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في إنصات وإستماع بكل احترام للشيخ، حتى إذا فرغ عتبة، قال له النبي صلى الله عليه وسلم في أدب ورفق "أفرغت يا أبا الوليد؟" قال نعم قال "اسمع مني" قال افعل، فقرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم أول سورة فصلت، وإن الرقي والتقدم في أية بقعة من بقاع العالم، وفي أي مجال من مجالات الحياة الانسانية، ماضيا وحاضرا لا يكون بناؤهما إلا على يد ابناء مجتمعها، فعندما يغرس الإسلام في روح الإنسان.

حب الخير والصلاح وأعمال البر، إنما يقصد خلق نموذج إنساني تتجسد فيه كل مقومات الصلاح والنبل والجمال، فمتى صار الإنسان صالحا، فإنه سيكون فيضا من العطاء الخير، ليس لنفسه فحسب، وإنما للعالم أجمع، ولذلك حينما نتأمل حالة مجتمعنا اليوم ونحاول أن نرصد نشاط شبابه عن كثب، نجده منصرفا إلى ما يهدم دعائم هذا الوطن بدل بنائها وإقامتها إذ يختفي حس المسؤولية وينعدم الواجب وتغيب التضحيـة وراء ستائر العبث والاستهتار واللامبالاة، فلا يبقـى إلا الدور السلبي، الذي أصبح يقوم به معظم الشباب إذا لم نقل كلهم استثناء لفئة قليلة جدا، إلا ما رحم الله، وإن منافذ اللهو ومعاقل الفساد وأوكار الـشر ومواطن الكسل ومكامن الخمول التي تستهوي شبابنا اليوم، تقضي على دوره الإيجابي في المجتمع، وليس هناك أكثر من سبل الشيطان ومغاويه في الحياة. 

وليس أسهل من الوقوع في شركها، حينما تنقاد النفس مع شراع الشهوات والملذات المستهوية، وبناء على ذلك، وبالتالي اهتمامنا بالإنسان ضرورى لأنه محور كل تقدم حقيقي مستمر مهما أقمنا من مباني ومنشآت ومدارس ومستشفيات، ومهما مددنا من جسور وأقمنا من زينات فإن ذلك كله يظل كيانا ماديا لا روح فيه وغير قادر على الاستمرار، إن روح كل ذلك الإنسان، فالإنسان القادر بفكره، والقادر بفنه وإمكانياته على صيانة كل هذه المنشآت والتقدم بها والنمو معها وإن بناء ألوطن لن يتم بألشكل ألمطلوب قبل أن نقوم وبجهود حقيقية في بناء ألإنسان، فمن ادّعى انه يعمر الاوطان، وهو يتجاهل الانسان وظن انه سيشتري فكر الشعوب بالشعارات، مخادعا للشعوب فسيهلك الانسان وستخرب الاوطان، فلن يبنى وطن في كل بقاع الارض ما لم يبنى الانسان فيه أولا.

فالأوطان تبنى بحسن الإدارة وحسن إستثمار الموارد في جميع مؤسسات الدولة، فالأوطان تبني من خلال تبني ثقافة عمارة الأرض كماامرنا الله عز وجل، والأوطان تبني من خلال الجد والاجتهاد وتبنى ثقافة الإتقان، والأوطان تبنى بالإخلاص بالنية والقول والعمل وتلازمهما، فالأوطان تبنى بالعلم والمعرفة، فاستخدام الأساليب البدائية تؤدي إلى نتائج بدائية، والأوطان تبنى في تبني ثقافة الكل يربح وليس مبدأ أنا اربح وأنت تخسر ولا مبدأ أنت تربح وأنا اخسر ولا مبدأ أنا اخسر وأنت تخسر، والأوطان تبني من خلال المصارحة والصدق فمن أحسن يقال له أحسنت ومن اخطأ يقال له أخطأت، فالأوطان تبنى في تبني مبدأ العدل والعدالة فلا يعاقب فلان لأنه فلان و فلان لايعاقب لأنه فلان، والأوطان تبنى من خلال وضع الرجل المناسب بالمكان المناسب.

ليس بالمزاجات والولاءات، فعندما جاء الإسلام فقد قام ببناء إنسان العقيدة فحرر الإنسان من عبادة العباد إلي عبادة الله رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

تصنيف المقال : 

إضافة تعليق جديد

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
17 + 3 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.