رئيس مجلس الإدارة   
            د/ نبيلة سامى                   

                                               

          صحافة من أجل الوطن 

              (  مجلة مصر )

                             ( أحدث إصدارتنا)

الأحد 30 نوفمبر 2025 7:57 م توقيت القاهرة

رسالة إلي من يهمه الأمر

إصلاح الحياة السياسية يبدأ من إصلاح البرلمان
بـقـلم/سـامـي بـوادي
مع رياح التفاؤل التي هبّت بخيرها علينا في رحاب الجمهورية الجديدة، وما نشهده من مظاهر إصلاح الدولة الحديثة، لا بد أن نعي جميعًا أن أهم أركان هذه الدولة هو الأساس الذي تُبنى عليه الشرعية: برلمان قوي، مستقل، ومعبّر عن الناس بصدق لا بتمثيلٍ شكلي.
فالدولة في سعيها إلى حكم رشيد لا يمكن أن تستند إلى برلمان يُصنَع بالمال أو النفوذ أو يُدار بالتوجيهات؛ لأن مثل هذا البرلمان لا يمثل الأمة، بل يخدم من صنعوه ويعيد إنتاج مصالحهم على حساب مصالح الشعب. وهذا ما رفضته القيادة السياسية الحكيمة حين استخدمت حق الفيتو في مواجهة ما جرى في انتخابات المرحلة الأولى، مما دفع الهيئة الوطنية للانتخابات إلى إلغاء نتائج تسع عشرة دائرة. كما أنصف القضاء الإداري الحصيف الشرعيةَ البرلمانية القائمة على الإرادة الحرة الحقيقية للناخبين، إذ رفض الاعتراف بنتائج ستٍّ وعشرين دائرة من دوائر المرحلة الأولى، وأصدر حكمًا بإلغائها لما شابها من مخالفات شككت في نزاهتها وصحتها.
إن إصلاح الحياة السياسية يمر أولًا بإصلاح البرلمان، باعتباره المؤسسة الوحيدة القادرة على فرض سيادة القانون على الجميع بلا استثناء، والضامن لتوازن السلطات، وحارس الإرادة الشعبية. ولا يمكن الحديث عن برلمان حقيقي ما لم يُحصَّن بنظام انتخابي ورقابي يمنع تدخل السلطة التنفيذية أو هيمنة المال السياسي، ويعيد السياسة إلى ساحتها الطبيعية: ساحة الناس.
ولتحقيق هذا الهدف، لا بد أن يقوم البناء البرلماني الجديد على أربع ركائز جوهرية:
1. دوائر انتخابية صغيرة تعيد التمثيل الحقيقي للناس
فالدوائر الشاسعة صنعت ظاهرة “النائب المُصنَّع” لا “النائب الممثل”، إذ تسمح للمال والنفوذ أن يحلّا مكان الاختيار الشعبي الحر. أما الدوائر الصغيرة فتعيد السياسة إلى مساحتها الإنسانية، حيث يعرف الناس نائبهم ويحاسبونه.
2. بناء البرلمان من القاعدة إلى القمة عبر نظام القوائم النسبية
فالقوائم النسبية ليست مجرد تقنية انتخابية، بل هي فلسفة عادلة تضمن تمثيلًا حقيقيًا لكل الفئات، وتمنع إقصاء القوى الصغيرة، وتسمح بصعود الكفاءات بدلًا من صناعة النواب في غرف مغلقة أو عبر شبكات المصالح.
3. صلاحيات واسعة للبرلمان تضمن توازن السلطات
فبرلمان بلا صلاحيات هو مؤسسة صورية مهما بدا قويًا. أما الصلاحيات الرقابية والتشريعية الواسعة فتصنع حكومة خاضعة للمساءلة، وتعيد الاعتبار لدولة القانون التي لا تعلو فيها سلطة على سلطة الناس.
4. ضمانات نزاهة تمنع تدخل الأجهزة التنفيذية وتحدّ من المال السياسي
لا معنى لعملية انتخابية تُدار من خارج إرادة الشعب. فالنزاهة الحقيقية تبدأ بمنع أي تدخل إداري أو أمني أو سياسي، وتنتهي بضبط الإنفاق الانتخابي وملاحقة المال الفاسد الذي يفسد السياسة والبرلمان معًا.
إن كل مهتم بهذا الوطن، ويخشى على ازدهاره واستقراره، يعلم أن بناء حياة سياسية سليمة يتطلب شجاعة الاعتراف بأن الإصلاح يبدأ من الأساس: برلمان منتخب بإرادة حرة، قائم على قواعد عادلة، ومحصّن بضمانات حقيقية.
فبرلمان قوي يعني دولة قوية، وبرلمان مستقل يعني شعبًا قادرًا على حماية مستقبله، وبرلمان يمثّل الناس حقيقةً هو الطريق الوحيد إلى سياسة نظيفة تُبنى على المصلحة العامة لا على مصالح من يصنعون السلطة.
ويبقى الدرس الباقي : لا يُصلِحُ الوطنَ مَن صُنِعوا في الظِل، بل مَن اختارهم الناسُ تحت ضوء الحقيقة.

تصنيف المقال : 

إضافة تعليق جديد

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
5 + 12 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.