
يا عباد الله أوصيكم بعدم تضييع الأيام العشرة الأخيرة من رمضان باللهو والغفلة إذ إنها أيام خير، وبِر، وعبادة لا بد أن يغتنمها المسلم بالعبادة والطاعات، وإعانة الأهل على العبادة والطاعة، وتشجيعهم على ذلك، فلا بد للمسلم من أن يعين زوجته وأبناءه على اغتنام تلك الليالى بحثهم على الاجتهاد بالعبادة فيها، وتهيئة بيئة مناسبة للطاعات من ذكر، وتلاوة للقرآن، وتجنب الشهوات والملذات، لتحقيق الصفاء الروحى للنفس، وتفريغها للطاعة والعبادة، والحرص على الاعتكاف في بيوت الله، وتخصيص مكان للاعتكاف بعيدا عن مخالطة الناس، إذ رُوى أن النبى صلى الله عليه وسلم اعتكف عشرين يوما فى العام الذى قبض فيه، وإنه ينبغي الحرص على أداء الصدقة في العشر الأواخر إذ إن الصدقة فى شهر رمضان أفضل من الصدقة فى غيره من الشهور بسبب تفاضل الأزمان، كما أن الصدقة فى العشر الأواخر أفضل مما سواها.
وذلك لما ورد من تفضيل العمل والعبادة فيها، وخاصة فى ليلة القدر التى تعد خيرا من ألف شهر، وكان النبى صلى الله عليه وسلم أكثر أداء للصدقة في رمضان، وكان السلف الصالح رضى الله عنهم يجتهدون فى العشر الأواخر من رمضان ولياليها، فكان حرصهم على الاغتسال والتطيب فى الليالى العشر المباركة، فقد كان النخعى يغتسل فى كل ليلة من الليالى العشر، كما روى أن أيوب السختياني كان يغتسل، ويتطيب، ويرتدى الثياب الجديدة ليلة الثالث والعشرين، والرابع والعشرين من رمضان، وقد رُوى عن الصحابى أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان يغتسل ويتطيب إذا حضرت ليلة الرابع والعشرين، وقد نقل ذلك الفعل أيضا عن ثابت البنانى، وحُميد الطويل إذ كانا يتخيران لبس أحسن الثياب فى تلك الليالى، كما جاء عن ثابت أن تميم الدارى اشترى ثوبا بألف دينار خصصه لليلة القدر، لا يلبسه فى غيرها.
وأيضا إيقاظ الأهل لأداء العبادات والطاعات، فقد رُوى عن سفيان الثورى أنه كان يوقظ أهله لقيام العشر الأواخر، إذ قال فى ذلك "أحبّ إليَّ إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجد بالليل، ويجتهد فيه، وينهض أهله وولده للصلاة إن أطاقوا ذلك" وكذلك كان فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ كان يجتهد في صلاة الليل، حتى إن وصل إلى نصفه أيقظ أهله، وهو يتلو على مسامعهم قول الله تعالى " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى" وأيضا عنايتهم بالقرآن فى تلك الليالى، فقد كان السلف الصالح يجتهدون فى قراءة القرآن الكريم، فى الأيام العشر من رمضان، إذ رُوى عن قتادة أنه كان يختم القرآن فى ثلاثة أيام من شهر رمضان، فإذا دخلت العشر الأواخر ختمه كل ليلة، وكما جاء عن الأسود بن زيد أنه كان يختم القرآن فى رمضان كل ليلتين.
وورد عن الشافعى أنه كان يختم القرآن مرتين في اليوم أى ستين مرة في رمضان، وأيضا الحرص على أداء الصلاة في المساجد جماعة، فقد ذكر أن الأعمش لم تفوته تكبيرة الإحرام حتى بلغ سبعين سنة من عمره، وهكذا فإن للعشر الأواخر من رمضان، قدسية خاصة عند المسلمين، حيث أن فضل العشر الأواخر من رمضان عظيم، حيث يدعو النبى صلى الله عليه وسلم لضرورة اغتنام الوقت والانتفاع بمواسم الخير، فيجب اغتنامهم بقراءة القرآن والذكر والصلاة، عسى أن تنالهم من الله نفحات خير يسعدون بها في الدنيا والآخرة، فقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يجتهد فى العشر الأواخر من رمضان، ما لا يجتهد في غيرها، فعن السيدة عائشة رضى الله عنها قالت ومن ذلك انه كان يعتكف فيها ويتحرى ليلة القدر خلالها" رواه البخارى ومسلم، وروي عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم.
" كان إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد مئزره " وقولها " وشد مئزره " كناية عن الاستعداد للعبادة والاجتهاد فيها زيادة على المعتاد، ومعناه التشمير في العبادات، وقيل هو كناية عن اعتزال النساء وترك الجماع، وقولهم " أحيا الليل " أى استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها وقد جاء فى حديث السيدة عائشة الآخر رضى الله عنها " لا أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ القران كله فى ليلة ولا قام ليلة حتى الصباح ولا صام شهرا كاملا قط غير رمضان" فيحمل قولها " أحيا الليل " على أنه يقوم أغلب الليل أو يكون المعنى أنه يقوم الليل كله لكن يتخلل ذلك العشاء والسحور وغيرهما، فيكون المراد أنه يحيي معظم الليل، وقولها " وأيقظ أهله " أى أيقظ أزواجه للقيام.
إضافة تعليق جديد