

إعداد / محمـــد الدكـــرورى
المثنى بن حارثة بن سلمة بن ضمضم بن سعد بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن افصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، الشيباني البكري، وكان المشهور عن المثنى بن حارثة أنه من أشراف قبيلته وشيخ حربها ورجاحة عقله وإدارته المتميزة في المعارك، وهوتابعي رغم لقائه بالنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنه كان مشركاً ولم يلتق به وهو مسلم، وقد أسلم سنة تسع للهجرة.
وقد كلفه الخليفة أبو بكر الصديق بقتال الفرس مع قومه قبل بعث خالد بن الوليد إلى العراق، وعن ابن عباس، عن علي بن أَبي طالب رضي الله عنه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ) على بني شيبان، وفيهم المثنى بن حارثة، ومفروق ابن عمرو، وهاني بن قبيصة، والنعمان بن شريك، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى أَبي بكر فقال: " بأبى أنت، ما وراء هؤلاء عون من قومهم، هؤلاء غرر الناس" فقال مفروق بن عمرو، وقد غلبهم لسانًا وجمالًا.
والله ما هذا من كلام أَهل الأَرض، ولو كان من كلامهم لعرفناه، وقال المثنى كلاما نحو معناه، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى ) فقال مفروق: دعوت واللّهِ يا قرشي إِلى مكارم الأخلاق، وإِلى محاسن الأَفعال، وقد أفك قوم كذَبوك وظاهروا عليك، وقال المثنى: قد سمعت مقالتك، واستحسنت قولك، وأَعجبني ما تكلمتَ به، ولكن علينا عهد، من كسرى لا نُحدث حدثا، ولا نؤوى محدثا، ولعل هذا الأَمر الذي تدعونا إِليه مما يكرهه الملوك.
فإِن أردت أن ننصرك ونمنعك مما يلي بلاد العرب فعلنا، فقال النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: " ما أسأتم إذ أفصحتم بالصدق، إنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه بجميع جوانبه " ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم على يد أَبي بكر، وقد سلم المثنى سنة تسع وقيل سنة عشرة للهجرة مع وفد قومه، والمشهور أنه تابعي رأى النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، قبل أن يسلم وعندما أسلم ذهب المدينة قاصداً رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن لم يدرك النبي الكريم صلى الله عليه وسلم .
فقد صعدت روحه صلى الله عليه وسلم الطاهرة إلى باريها فلم ينل شرف الصحبة رحمه الله، وفي الجاهلية أغار المثنى بن حارثة الشيباني، وهو ابن أخت عمران بن مرة، على بني تغلب، وهم عند الفرات، فظفر بهم فقتل من أخذ من مقاتلتهم وغرق منهم ناس كثير في الفرات وأخذ أموالهم وقسمها بين أصحابه، وقد فد المثنَى بن حارثة بن ضَمضَم الشّيبانيّ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم سنة تسع من الهجره، مع وفد قومه، وكان شهمًا شجاعًا ميمون النقيبة حسن الرأي.
وكانت أهم ملامح شخصية المثنى بن حارثة، هو حسن إدارته الشديدة للمعارك، فكانت أنباء هزيمة الجسر ثقيلة على المسلمين، حتى إن عمر بن الخطاب ظل أشهرًا طويلة لا يتكلم في شأن العراق، نظرًا لما أصاب المسلمين هناك، ثم ما لبث أن أعلن النفير العام لقتال الفرس في العراق، فتثاقل الناس عليه، وعندما رأى ذلك قرر أن يسير هو بنفسه للقتال والغزو، فأشعل سلوكه ذلك الحماسة في قلوب المسلمين، فقدمت عليه بعض القبائل من الأزد تريد الجهاد في الشام، فرغبهم في الجهاد في العراق.
ورغبهم في غنائم كسرى والفرس، وقدمت عليه قبيلة بجيلة، واشترطوا أن يقاتلوا في العراق على أن يأخذوا ربع الغنائم التي يحصلون عليها، فوافق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وبدأت الجموع المجاهدة تتوافد على المثنى، الذي لم يكف عن ترغيب العرب في الجهاد، واكتملت قوات المسلمين تحت قيادة المثنى بن حارثة، في مكان يسمى "البويب" وهو يقع حاليًّا قرب مدينة الكوفة، وكان نهر الفرات بين الجيشين، وكان يقود الفرس هو مهران الهمداني، الذي أرسل إلى المثنى يقول له.
إما أن تعبروا إلينا أو أن نعبر إليكم، فرد عليه المثنى: أن اعبروا أنتم إلينا، وكان ذلك في الرابع عشر من رمضان فى السنه الرابعه عشر من الهجره، وقد أمر المثنى المسلمين بالفطر حتى يقووا على القتال، فأفطروا عن آخرهم، ورأى المثنى أن يجعل لكل قبيلة راية تقاتل تحتها، حتى يعرف من أين يخترق الفرس صفوف المسلمين، وفي هذا تحفيز للمسلمين للصمود والوقوف في وجه الفرس، وأوصى المثنى المسلمين بالصبر والصمت والجهاد، لأن الفرس عندما عبروا إلى المسلمين كانوا يرفعون أصواتهم بالأهازيج والأناشيد الحماسية.
فرأى المثنى أن ذلك من الفشل وليس من الشجاعة، وخالط المثنى جيشه مخالطة كبيرة فيما يحبون وفيما يكرهون، حتى شعر الجنود أنه واحد منهم، وكانوا يقولون: لقد أنصفتنا من نفسك في القول والفعل، ونظم المثنى جيشه، وأمرهم ألا يقاتلوا حتى يسمعوا تكبيرته الثالثة، ولكن الفرس لم يمهلوه إلا أن يكبر تكبيرة واحدة حتى أشعلوا القتال، وكان قتالاً شديدًا عنيفًا، تأخر فيه النصر على المسلمين، فتوجه المثنى إلى الله تعالى، وهو في قلب المعركة بالدعاء أن ينصر المسلمين.
ثم انتخب جماعة من أبطال المسلمين وهجموا بصدق على الفرس فهزموهم، وعندما استشهد مسعود بن حارثة، وكان من قادة المسلمين وشجعانهم وهو أخو المثنى قال المثنى: يا معشر المسلمين لا يرعكم أخي، فإن مصارع خياركم هكذا، فنشط المسلمون للقتال، حتى هزم الله الفرس، وقاتل مع المثنى في هذه المعركة أنس بن هلال النمري وكان نصرانيًّا، قاتل حمية للعرب، وكان صادقًا في قتاله، وتمكن أحد المسلمين من قتل مهران، قائد الفرس، فخارت صفوف الفرس، وولوا هاربين.
فلحقهم المثنى على الجسر، وقتل منهم أعدادًا ضخمة، وقد سميت معركة البويب " يوم الأعشار" لأنه وجد من المسلمين مائة رجل قتل كل منهم عشرة من الفرس، ورأى المسلمون أن البويب كانت أول وأهم معركة فاصلة بين المسلمين والفرس، وأنها لا تقل أهمية عن معركة اليرموك في الشام، ومن روعة المثنى أنه اعترف بخطأ ارتكبه أثناء المعركة رغم أنه حسم نتيجة المعركة، فقال: عجزت عجزة وقى الله شرها بمسابقتي إياهم إلى الجسر حتى أحرجتهم، فلا تعودوا أيها الناس إلى مثلها، فإنها كانت زلة فلا ينبغي إحراج من لا يقوى على امتناع.
إضافة تعليق جديد