

إعداد / محمـــد الدكـــرورى
إن المثنى بن حارثة الشيباني هو صاحب حرب قبيلة شيبان التي كانت تعيش في أطراف العراق على تخوم إمبراطورية فارس العظيمة، وقد أسلم مع قومه سنة تسع للهجرة، أي في نهاية البعثة النبوية، وبعد إسلامه تحول مباشرة إلى قتال الفرس، فكان أول من قاتل الفرس من المسلمين، وكان يغزو بمن معه من فرسان قبيلته بني شيبان إمبراطورية فارس الكبرى التي كانت تحتل العراق، فكان المثنى يحقق الانتصار تلو الانتصار في مواقعه مع الفرس، لتتطاير أخبار انتصاراته إلى عاصمة الخلافة في المدينة المنورة.
وينتمي المثنى بن حارث الشيباني إلى بني شيبان، وبنو شيبان هم أحد فروع بكر بن وائل الذي ينتهي نسبه في ربيعة، وهو في أصله من العدنانيين، وقيل إنهم أهل حل وترحال، أي أنهم كانوا ينتقلون بخيامهم، لا مدن لهم ولا ملك، وإنما كانت لهم رياسة بدوية، وكانت لغتهم عربية وعبادتهم الأوثان يتخذونها من الأحجار، وكانت الحروب دائمًا ما تنشب بين بكر وتغلب وتميم، وكانت بكر هي التي تهاجم في معظم الحروب لما يلحق بأرضها من جدب وقحط، وقد اشتعلت الحرب بين بكر وتميم اثنتي عشرة مرة فازت تميم بست منها.
وفازت بكر بست منها، وكان لبكر أيام جليلة في تاريخ العرب فقد ظهر فيها رجال كان لهم مجد كبير وتاريخ مجيد، ومن هؤلاء هانيء بن قبيصة صاحب واقعة ذي قال، وبسطام بن قيس فارس بني شيبان صاحب القول المشهور: قد علمت العرب أنا بناة بيتها الذي لا يزول ومغرس عزها الذي لا يحول لأنا أدركهم للثأر وأضربهم للملك الجبار وأقولهم للحق وألدهم للخصم، ومنهم مرة بن ذهل بن شيبان وابنه جساس وغيرهم من الرجال الأبطال الكماة الذين دحروا الفرس وفتحوا العراق وأقزعوا الأكاسرة وثلوا عروشهم وحطموا تيجانهم .
وزعزعوا إيوانهم، وكان لهذه البيئة أثر في إنماء روحه، ونشوئه على الإيمان بالمبدأ، والتصلب بالعقيدة والجود بالنفس والصدق والجلد والتحمل والعزيمة والصبر والشجاعة والتفنن في ضروب الحرب، وقيل أنه عندما أسلم المثنى بن حارثة كان يغِير هو ورجال من قومه على تخوم ممتلكات فارس، فبلغ ذلك الصديق أبا بكر، فقال عمر: مَن هذا الذي تأتينا وقائعه قبل معرفة نسبه؟ فقال له قيس بن عاصم التميمي: أما إنه غير خامل الذكر، ولا مجهول النسب، ولا قليل العدد، ولا ذليل الغارة، ذلك المثنّى بن حارثة الشّيبانيّ.
ولم يلبث المثنى أن قدم على المدينة المنورة، وقال للصديق: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابعثني على قومي، فإن فيهم إسلاما، أقاتل بهم أهل فارس، وأكفيك أهل ناحيتي من العدوّ، ففعل ذلك أبو بكر الصديق، فقدم المثنى العراق، فقاتل وأغار على أهل فارس ونواحي السّواد حولا مُجرَما، ثم بعث أخاه مسعود بن حارثة إلى أبي بكر يسأله المدد، ويقول له: إن أمددتني وسمعت بذلك العرب أسرعوا إليّ، وأذلَ الله المشركين، مع أني أخبرك يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الأعاجم تخافنا وتتّقينا.
فقال له عمر بن الخطاب: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابعث خالد بن الوليد مددا للمثنى بن حارثة يكون قريبا من أهلِ الشّام، فإن استغنى عنه أهل الشّام ألحّ على أهل العراق حتى يفتح الله عليه، فهذا الذي هاج أبا بكر على أن يبعث خالد بن الوليد إلى العراق، كان الخليفة عمر بن الخطاب يسمِّيه مؤَمِر نفسه، وكان للمثنى بن حارثة مواقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن عبد الله بن عباس عن علي بن أبي طالب في خروجهما هو وأبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك.
فقال علي: وكان أبو بكر في كل خير مقدما فقال: ممن القوم؟ فقالوا: من شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بأبي أنت وأمي، هؤلاء غرر في قومهم وفيهم مفروق بن عمر وهانئ بن قبيصة ومثنى بن حارثة والنعمان بن شريك، وكان مفروق بن عمر قد غلبهم جمالاً ولسانًا وكانت له غديرتان وكان أدنى القوم مجلسًا من أبي بكر رضي الله عنه فقال له أبو بكر رضي الله عنه: كيف العدد فيكم؟ فقال مفروق: إنا لنزيد على الألف ولن تغلب الألف من قلة، فقال أبو بكر: كيف المنعة فيكم؟
فقال مفروق: علينا الجهد ولكل قوم جد، فقال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال مفروق: إنا لأشد ما نكون غضبًا لحين نلقى وأنا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد والسلاح على اللقاح والنصر من عند الله يديلنا ويديل علينا أخرى لعلك أخو قريش، فقال أبو بكر: أوقد بلغكم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فها هو ذا، فقال مفروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك فإلام تدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله.
وأن تؤوني وتنصروني، فإن قريشًا قد تظاهرت على أمر الله وكذبت رسله واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغني الحميد" وكان المثنى بن حارثة الشيباني، أدرك كنه الإسلام وحقيقته بعد أن رسخ الإيمان في قلبه، فتخلى عن مخاوفه التي كانت في جاهليته، وزرع مكانها الإيمان بالله وحده، فأيقن أن النصر يأتي من الله وحده، وليس من عدة أو عتاد، فأخذ يغزو جيوش فارس ويلحق بها الهزيمة تلو الهزيمة، قبل أن يرسل الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه خالد بن الوليد رضي الله عنه.
ليتولى القيادة العامة للجيوش الإسلامية المجاهدة على الجناح الشرقي، ليتحول المثنى بكل نفس راضية إلى جندي في جيش خالد بن الوليد رضي الله عنه، وبعد ازدياد المخاطر الرومانية في جبهة الشام، قرر أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن يبعث بالقائد خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى الجبهة الغربية في بلاد الشام، فترك خالد رضي الله عنه قيادة الجيش الإسلامي في العراق تحت إمرة المثنى، فخاض المثنى عدة معارك أشهرها معركة بابل أواخر ربيع الأول عام الثالث عشرهجريا.
وقد كان انتصار المسلمين بالبويب يعد بمثابة بداية النهاية للإمبراطورية الساسانية الظالمة، وبعد انتصار المثنى الكبير في البويب، سقط هذا المجاهد الإسلامي العظيم متأثرا بجرح معركة الجسر، فاستشهد رحمه الله بعد أن رأى نبوءة رسول الله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، تتحقق أمام عينيه، عندما أخبره قبل ذلك بسنوات بأن الله سيورثهم أرض الفرس، يومها كان المثنى يخاف من قوة الفرس، فلم يحسن الاختيار، أما الآن وبعد مرور كل تلك السنوات، فهم المثنى ما كان رسول الله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، يعنيه.
فاختار الاختيار الصحيح، فاختفى كل معنى للخوف من قلبه، ليكتب اسمه في سجل العظماء بحروف من ذهب، ولمّا ولي عمر بن الخطاب الخلافة سيّر أبا عبيد بن مسعود الثقفي في جيش إلى المثنى، فاستقبله المثنى واجتمعوا ولقوا الفرس، فى قس الناطف، واقتتلوا فاستشهد أبو عبيد، وجُرح المثنى فمات من جراحته قبل القادسية، رضي الله عنهما.
إضافة تعليق جديد