رئيس مجلس الإدارة   
            د/ نبيلة سامى                   

                                               

          صحافة من أجل الوطن 

              (  مجلة مصر )

                             ( أحدث إصدارتنا)

الأربعاء 25 فبراير 2026 12:49 ص توقيت القاهرة

العالم الذي نراه بعيون غيرنا

بقلم/نشأت البسيوني 

من أغرب حقائق الحياة أن الصورة التي يراها الإنسان ليست هي نفسها التي يراها الآخرون فكل واحد يحمل معه عدسة مختلفة يصنعها تاريخه وتجارب طفولته ووجعه القديم وانتصاراته الصغيرة وخيباته التي لم يتحدث عنها لأحد ولهذا يصبح العالم متعددا بعدد القلوب التي تنظر إليه هناك من يرى التفاصيل الصغيرة وكأنها علامات كونية ترشده للطريق وهناك من يمر على كل شيء بسرعة 

وكأنه يخشى أن يبطئ فينكشف ضعفه وهناك من يبحث عن المعنى في كل حركة وكل كلمة وكل لحظة ومن يعيش حياته كأنها مسرحية لا وقت فيها للتفكير هذه العدسات المختلفة تجعلنا نفهم لماذا يضيء الطريق لأحدهم بينما يراه الآخر مظلما ولماذا يشعر شخص بالامتنان لنصف خطوة بينما يراها غيره نقصا ولماذا ينهار أحدهم من كلمة بينما يتجاهلها آخر وكأنها لم تقل وكلما كبر الإنسان 

أدرك أن محاولته لإقناع الآخرين بوجهة نظره ليست إلا محاولة لجعلهم يرون العالم بعدسته هو وأن هذا مستحيل لأن كل إنسان يحمل داخله مدينة كاملة بقوانينها وأبوابها وأسوارها وممراتها السرية التي لا يعرفها سوى صاحبها ولهذا يصبح الحكم على الآخرين بناء على ما نراه نحن ظلمًا خفيا لا يشعر به إلا من عاشه
ومع الوقت تتغير عدسات الإنسان نفسها فالمواقف تصقلها 

والخسارات توسعها والخذلان يعتم أطرافها، بينما المحبة الصادقة تنظفها من الغبار وتعيد لها نقاءها وحتى الصمت الطويل يمنح العين قدرة جديدة على رؤية ما كان غائباً وفي لحظة ما يدرك الإنسان أن الحكمة ليست في أن يرى العالم كما يريد بل أن يفهم كيف يراه الآخرون وأن القوة ليست في فرض نظرته بل في تقبل اختلاف العدسات وأن النضج الحقيقي يأتي حين نرى الصورة كاملة 

لا نصفها فقط وحين نتعامل مع الناس على أساس ما يحملونه في الداخل لا ما يظهرونه في الخارج ولذلك يصبح الإنسان أكثر عمقا حين يتساءل كيف يرى الآخرون هذا العالم كيف يرونني أنا وهل أعيش حياتي بعدسة صافية أم بعدسة مشوشة صنعتها جراح قديمة لم أعد أحتاجها إن فهم اختلاف الرؤى لا يمنحك فقط سلاما داخليا بل يفتح أمامك أبوابا جديدة للرحمة والحكمة وفهم الحياة 

بطريقة لا يصل إليها إلا من أدرك أن البشر لا يشبهون بعضهم لأن كل واحد يرى العالم بعين لا يملكها غيره

تصنيف المقال : 

إضافة تعليق جديد

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
1 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.