رئيس مجلس الإدارة   
            د/ نبيلة سامى                   

                                               

          صحافة من أجل الوطن 

              (  مجلة مصر )

                             ( أحدث إصدارتنا)

الأحد 8 مارس 2026 4:13 ص توقيت القاهرة

المقعد الفارغ.. بقلم نشأت البسيوني

في كل مكان يمر به الإنسان تقريبا يوجد مقعد فارغ لا يلفت انتباه أحد مقعد في حافلة أو في حديقة أو في ركن هادئ من مقهى بسيط لكن هذا المقعد قد يكون شاهدا على عشرات القصص التي مرت عليه دون أن يلاحظها أحد جلس عليه أشخاص يحملون أفراحا كبيرة وأشخاص آخرون جاءوا إليه هربا من ضجيج الحياة جلس عليه من كان ينتظر خبرا يغير حياته ومن كان يحاول فقط
أن يلتقط أنفاسه بعد يوم طويل المقعد نفسه لا يتغير لكنه يرى الوجوه تتبدل والقصص تمر أمامه في صمت ربما جلس عليه شاب يفكر في مستقبله وربما جلس عليه رجل يسترجع سنوات طويلة مضت وربما جلست عليه أم تحمل هموم يومها وتحاول أن تخفي تعبها خلف ابتسامة عابرة الغريب أن الأشياء الصامتة حولنا تحمل في داخلها ذاكرة لا ننتبه إليها نحن نمر بجوارها بسرعة ونظن أنها
مجرد تفاصيل عادية لكنها في الحقيقة أماكن التقت فيها حكايات كثيرة دون أن تعرف بعضها ولو استطاع هذا المقعد أن يتحدث ربما حكى عن لحظات أمل وعن لحظات حزن وعن أشخاص جاءوا إليه مرة واحدة ثم لم يعودوا أبدا وربما حكى عن آخرين جعلوا منه محطة يومية يفكرون فيها في حياتهم قبل أن يكملوا الطريق
لكن المقعد الفارغ لا يملك سوى الصمت فهو يظل في مكانه يراقب
الحياة وهي تمر أمامه كما يمر النهر أمام ضفافه لا يتوقف عند أحد ولا يحمل معه سوى ما يتركه الزمن من آثار خفية في صباحات كثيرة جلس عليه طلاب قبل أن يبدأ يومهم الدراسي يتحدثون عن أحلام صغيرة وعن خطط يظنون أنها ستغير مستقبلهم كانوا يضحكون بصوت مرتفع ويظنون أن الطريق أمامهم طويل بلا نهاية ثم تمر السنوات ويختفي هؤلاء الطلاب ولا يعود منهم أحد إلى
المكان نفسه وفي مساءات هادئة ربما جلس عليه رجل مسن يراقب المارة بصمت يضع يديه فوق عصاه وينظر إلى الطريق كأنه يبحث بين الوجوه عن ملامح يعرفها أو عن زمن قديم لم يعد موجودا
وقد يجلس عليه أيضا شخص يحمل في قلبه هما ثقيلا لا يعرف كيف يشاركه مع أحد فيختار هذا المقعد البسيط ليكون شاهدا صامتا على لحظة ضعف أو لحظة تفكير عميق قبل أن ينهض
ويواصل السير كأن شيئا لم يحدث تمر عليه لحظات انتظار طويلة انتظار حافلة أو صديق أو موعد مهم وقد تمر عليه أيضا لحظات وداع صامتة يجلس فيها شخصان للحظات أخيرة قبل أن يذهب كل منهما في طريق مختلف ربما دون أن يلتقيا مرة أخرى
كم من كلمات قيلت فوق هذا المقعد ثم اختفت مع الزمن وكم من قرارات اتخذت في لحظات صمت قصيرة ربما غيرت حياة كاملة
دون أن يعرف أحد أن بدايتها كانت في هذا المكان البسيط
المقعد الفارغ لا يسأل أحدا عن قصته ولا يحاول فهم ما يحدث حوله لكنه يظل حاضرا في كل لحظة كأنه صفحة مفتوحة تكتب عليها الحياة سطورها ثم تتركها دون توقيع تمر الفصول وتتغير الأجواء قد تغطيه أوراق الأشجار في الخريف وقد يلمع تحت شمس الصيف وقد يبتل بمطر الشتاء لكنه يظل في مكانه كما هو
ينتظر الوجوه الجديدة التي ستجلس عليه دون أن تعرف شيئا عن الوجوه التي سبقته وهكذا تستمر الحكايات واحدة تلو الأخرى دون أن يلتقي أصحابها ودون أن يعرفوا أنهم جلسوا في المكان نفسه الذي جلس فيه آخرون قبلهم بأيام أو سنوات يبقى المقعد الفارغ في مكانه ينتظر وجها جديدا وقصة أخرى تضاف إلى الحكايات الصامتة التي لا يكتبها أحد لكنها تمر كل يوم أمام أعيننا دون أن
نلتفت إليها وكأن الحياة كلها تمر أحيانا فوق مقعد بسيط لا ينتبه إليه أحد لكنه يحمل في صمته ذاكرة كاملة من اللحظات الإنسانية التي جاءت ورحلت وبقي أثرها معلقا في الهواء حوله

تصنيف المقال : 

إضافة تعليق جديد

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
2 + 13 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.