

للكاتبه /تغريد مصباح
جلست سمر بجوار زوجها عمر وحولهما أولادها ، يتناولون الطعام في سعادة ، مستمتعين بتلك الإجازة الأسبوعية ، التي تقضيها مع زوجها عمر ، فيخرجون للتنزه والتسوق ، وزيارة الأهل والأصدقاء ، زيارة السينما والمسرح ، يتبادلون الضحكات ، قطع جلستهم صوت رسالة عبر الهاتف النقال ، رمق عمر شاشة الهاتف ، ثم التفت إلى زوجته ، التي بدا عليها الذعر ، ابتسم في وجهها ، في محاولة لإرسال الطمأنينة إلى قلبها المتعب ، وعقلها المشغول بمشاكل زوجها ، ربت على يدها وقال مبتسما
ـ ما تقلقيش الرسالة مش منهم
التفتت سمر إلى أولادها الصغار ، الذين في عمر الزهور، أمرتهم بالانصراف إلى غرفهم ، فانصاعوا لتعليماتها . اقتربت سمر من زوجها ، أمسكت بيده ، مسحت على شعره ،قبلت رأسه ،وطلبت منه أن يترك تلك القضية ، التي لن تجلب عليهم ، غير المتاعب . شعر عمر بالانزعاج وانقبض قلبه ، من نظرات زوجته الواهنة ، لكنه اظهر الثبات ، والثقة في النفس ، قام وربت على كتفها ، احتضنها وقبلها قبلة طويلة ، وهمس في أذنها انه بخير ، ولا داع للقلق ، أنها ليست أول قضية فساد يتصدى لها ، انه يدافع عن الحق ، وان الحق معه ، ولن يخاف أو يرفع الراية البيضاء ، سيكمل المشوار حتى النهاية ، فتعلقت سمر برقبته ، واحتضنته بشدة ، هرعت الدموع من عينيها ، ذكرته بأنه سندهم الوحيد في الدنيا ، بعد الله ، طلبت منه ، ألا يجازف بمستقبل أسرته ، اعتصر جسدها ، محاولا إخفاء دموعه ، مسح على ظهرها ، طلب منها أن تتركه ، ليلحق بصلاة الجمعة في المسجد ، فتركت حضنه رغما عنها .
جلس عمر خلف مكتبه ، يرتب أوراق القضية ، يعد المرافعة التي سيلقيها ، في الجلسة القادمة ، والتي ستحدد كثيرا من ملامح القضية ، رن هاتفه النقال ، معلنا عن وصول رسالة ، رمقه بغيظ متجاهلا الرسالة ، بعدا اعتاد على تلقي رسائل تهديد ، من أرقام مجهولة ، في الفترة الأخيرة ، ولكن الهاتف لم يكف عن الرنين ، بوصول عدة رسائل متتالية ، مد يده وسحب الهاتف ، تطلع إلى الرسائل ، إنها من رقم مجهول ، قرأ الرسالة الأولي ، التي أفصحت عن صاحب الرقم ، أنها غادة إبراهيم ، صديقة الجامعة ، حبه الأول ، تلك الفتاة الخمرية الجميلة ، التي قضى معها أجمل قصة حب ، لكنها انتهت ، بأزمة ما بعد التخرج ، رفضت الارتباط به ، رفضت أن تمد له يدها ، ليصعدا معا السلم من أوله ، أعلنتها صراحة وبلا خجل ، مشواره طويل ، ورحلة وصوله إلى الثراء غير مضمونة ، أنها تفتش عن زيجة ، تضمن لها حياة مترفة ، تنتشلها من الفقر والبؤس ، الذي تعيشه مع أسرتها ، فهي تمتلك مؤهلات ، الحصول على زوج ثري ، يقدرها ويرفعها إلى مراتب الثراء .
قرأ باقي الرسائل ، إنها تشكو من مشكلة تؤرق حياتها ، ونصحها الأصدقاء المقربين ، عرض الموضوع على المحامي الكبير عمر الوكيل ، فرحت كثيرا بالمكانة التي وصل إليها ، وتريد أن تحصل على مساعداته ، في حل المشكلة ، طلبت منه أن يتواصل معها ، عبر رقم الهاتف المدون في الرسالة.
جلس عمر حائرا بين قلبه ، الذي اجتاحته نشوة الماضي ، بمجرد أن رأي اسمها ، وعقله الذي ذكره ، بتخليها عنه في أول الطريق ، رفضت أن ترافقه ، في رحلة كفاحه ، حتى وصل إلي تلك المكانة المرموقة ، كمحامي شهير ، تهتز له أروقة المحاكم ، أغلق هاتفه النقال ، وأغلق معه الجدال العقيم ، بين عقله وقلبه ، وعاود ممارسة عمله ، ودراسة القضية الخطيرة التي بين يديه .
في المساء عاد عمر إلى بيته ، فوجد زوجته في انتظاره كعادتها ، لكنه عاد على غير عادته ، شارد الذهن ، مشتت الفكر ، اقتربت منه زوجته ، بابتسامتها الرقيقة ، حاولت أن تعرف سبب شروده ، فصنع ابتسامة باهتة على ملامح وجهه ، احتضنها وقبل رأسها ، فتشبثت به ،رغبة منها للتخفيف عن معاناته ، لكن تركها في الصالة المؤدية ، وهرول نحو غرفة النوم .
ظل عمر طوال الليل ، شارد الذهن ، يحملق في سقف الغرفة ، لقد انتصر قلبه ، عاد ليسترجع ذكريات حبه الجميل مع غادة ، وانشغل عقله ، بكم الرسائل التي وصلت منها ، تطلب المساعدة .
في الصباح ، قرر عمر الاتصال بها ، ليعرف سبب تلك الاستغاثات ، ولكن الحقيقة انه يشتاق إلى سماع صوتها ، أمسك بهاتفه النقال ، بدأ المحادثة ، وضربات قلبه تنبض بشدة ، ما أن سمع صوتها حتى ارتبك وتلعثم ، شعر بالنشوة تجتاح أنفاسه المتقطعة ، شريط الذكريات يضرب ذاكرته ، فتوقفت الكلمات في حلقه ، فقطع الاتصال في الحال ، وألقى بالهاتف على مكتبه ، أخذ نفسا عميقا ، حتى هدأت أنفاسه ، لكن قلبه عاد لينبض من جديد ، على صوت الهاتف النقال ، رمق شاشته ، لقد عاودت الاتصال ، تردد قليلا ولكن مع إلحاحها ، قبل المحادثة ، فظهر صوتها الناعم ، الممزوج ببكائها الشديد ، تترجاه أن ينقذها من المشكلة، التي وقعت فيها ، لم يستطع أن يمنع رغبته في رؤيتها ، فاخبرها انه ينتظرها في المكتب مساء اليوم ، لم يستطع أن يغادر مكتبه ، اتصلت به زوجته ، فأخبرها انه سيظل في مكتبه حتى المساء ، عاكفا على دراسة قضية هامة .
انتفض عمر ، حينما أخبره ساعي المكتب ، أن هناك سيدة تريد مقابلته ، فأشار إليه أن يدخلها ، دخلت غادة ، فانتفض من النشوة ، مازالت متأنقة وجذابة ، اتسعت عيناه ، يتأمل ملامحها المثيرة ، العيون السوداء الواسعة ، الوجه الأبيض المستدير ، والخدود المتوردة ، شعرها الأسود ، الذي صبغت مقدمته باللون الأصفر ، رائحتها المثيرة ، ملابسها التي أثارت شبقه . جلست أمامه ، فاجتاحت أنفاسها جسده ، طلب منها أن تسرد له ، تفاصيل المشكلة التي تؤرقها ، فأخبرته أنها تعيش ، في شقة إيجار قديم ، ورثتها عن زوجها ، ويريد صاحب البناية ، أن يطردها منها ، بحجة أنها باسم زوجها ، وان ليس الحق في العيش فيها ، ستجد نفسها في الشارع ، بلا سكن ولا مأوى ، أعلنت رفضها مغادرة الشقة ، وأنها سترفع قضية ، فعرض عليها ، أن يعطيها خلو رجل ، مقابل أن تترك الشقة ، ولكنه مبلغ ضئيل ، لن يمكنها من العثور على شقة بديلة ، خصوصا أن الشقة في وسط البلد ، وتساوي مبلغ خرافي .
ابتسم عمر ، واخبرها أنها مشكلة بسيطة ، يبدو أن صاحب البناية ، يريد أن يحصل على الشقة ، والخلاف على قيمة خلو الرجل ، طلب منها اسم صاحب البناية وعنوانه ، حتى يقابله ويتفاوض معه ، على حل المشكلة بالطرق الودية ، حتى لا يتم اللجوء للقضاء ، والتي ستمكنها من الشقة ، فاتفقت معه ، أنها ستحدد موعدا مع صاحب البناية ، بعد عودته من السفر ، ثم استأذنت في الانصراف .
على مدار أسبوع كامل ، من الاتصالات والمقابلات ، بينهما في المكتب وخارجه ، استطاعت غادة إشعال نيران عشقه ، من تحت رمادها ، استطاعت إعادته إلى أحضانها من جديد ، فأصبح أسيرها المتيم ، ينتظر مقابلتها وسماع صوتها ، وكأنه مراهق .
ذات مساء ، أخبرته أن صاحب البناية ، قد عاد من السفر ، وأنها قد حددت معه ، موعدا في شقتها ، فوعدها أن يحضر ، في الموعد المحدد ، ويقنعه بالتسوية الودية .
طرق عمر باب شقتها ، ففتحت له ، وما أن رآها ، حتى ابتلع ريقه ، كانت ترتدي ملابس في غاية الإثارة ، رائحتها تفوح فتنة ، مدت يدها ، وسحبته إلى داخل الشقة ، رحبت به ، وأجلسته في صالة استقبال الضيوف ، طلب منها فنجانا من القهوة ، فضحكت كثيرا ، وأخبرته أنها ستحضر له ، كأسا من الويسكي ، فالجو الليلة باردا ، ويحتاج إلى مشروب روحي ، حاول الاعتذار ، فاقتربت منه ، دنت بوجهها من وجهه ، وطلبت منه عدم رفض رغبتها ، في تناول كأس معها ، ثم هرولت ناحية المطبخ ، فرمق جسدها الممتلئ في نشوة ، عادت بكاسين من الويسكي وضعتهما أمامه ، وجلست بجواره ، مدت يدها وسحب كأسا ، ووضعته في يده ، فتجرعه مرة واحدة ، وسألها عن موعد حضور صاحب البناية ، فأخبرته انه سيحضر خلال دقائق ، وجلست تشكو له من وحدتها ، وزوجها الذي تركها ، في ريعان شبابها ، لتعيش بمفردها ، في تلك الشقة الواسعة ، فصارت مطمع لكل من تسول له نفسه ، التحرش بها . أعلنت عن ندمها الشديد على فراقهما ، الظروف كانت أقوى منها ، لو أطاعت قلبها ، لصارت الآن ، زوجة الأستاذ عمر الوكيل ، أشهر محامي في مصر ، ولما عانت من الوحدة ، التي تكاد أن تقتلها ، كانت كلماتها بمثابة إعصار ، دغدغ مشاعره ،.
فجأة رن هاتفها النقال ، قبلت المحادثة ، انه صاحب البناية ، يعتذر عن عدم الحضور ، فضحكت فرحا ، فسألها عن سبب فرحها ، بعدم حضوره ، فأخبرته انه بالتأكيد قد عرف ، أنها اتفقت مع عمر الوكيل ، فخشي المواجهة ، وسيرضخ لمطالبها ، والسبب الأخر ، انه لن يقطع عليهما تلك الليلة ، التي تنتظرها منذ زمن طويل ، اقتربت منه ، جلست بجواره ، والتصقت بجسده ، مسكت بيده ، وحدقت في عيونه ، أعلنت عن رغبتها فيه ، كان عمر أضعف ، من أن يقاوم تلك الرغبة ، المتأججة بجسده .
عاد عمر إلى بيته ، يترنح من النشوة ، لم يجد زوجته ، تنتظره كعادتها ، فتش عنها في الشقة ، فوجدها نائمة ، بين أحضان أولادهما ، فتركها نائمة ، وهرول إلى غرفته ، وألقى بجسده على السرير.
جلس عمر خلف مكتبه ، يتابع القضية ، التي تشغل عقله ، والتي ستكون بمثابة ، انطلاقة جديدة في حياته المهنية ، كانت عيونه متعلقة بشاشة الهاتف ، فمنذ تلك الليلة ، التي قضاها مع غادة ، وانقطعت أخبارها ، هاتفها دائما خارج نطاق الخدمة ، خشي أن يكون قد أصابها مكروه .
فجأة دخلت عليه سكرتيرة مكتبه ، وأخبرته بان هناك شخص ، يريد مقابلته ، فأشار إليها ، أن تسمح له بالدخول ، وما أن دخل عليه ، بطوله الفارع ، وجسده النحيل ، وملامحه الشيطانية ، حتى اتسعت عيناه ، ونهض من مكانه واقفا ، غير مصدق أن يأتي ، غريمه اللدود ، هاني نصار إلى مكتبه ، تقدم نحوه مبتسما ، بنظرة ماكرة ، ظهرت من خلف نظارته الطبية ، مد يده وصافحه ، وهز يده في نشوة ، دعاه عمر للجلوس ، سأله عن سبب ، تلك الزيارة غير المتوقعة ، ابتسم هاني وطلب منه عدم العجلة والتحلي بالصبر ، مد يده في جيب سترته ، اخرج علبة سجائره ، أشعل واحدة ، ونفخ دخانها في هواء الغرفة ، ضحك كثيرا وأشار إلى عمر ، وقال بسخرية
ـ مكنتش اعرف انك شقي كده يا عمر بيه !
نظر إليه عمر بدهشة واشمئزاز ، من ذلك المحامي المتعجرف ، المعروف بألاعيبه القذرة في القضايا ، أعاد علبة السجائر إلى جيبه ، واخرج هاتفه النقال ، طلب من عمر ، أن يستقبل ذلك الفيديو عبر الهاتف ، نفخ عمر في وجهه ، وأمسك بهاتفه النقال ، وفتح الرسالة ، وما أن رأي الفيديو ، حتى اتسعت عيناه ، توقفت نبضات قلبه ، شعر بدوار يضرب رأسه ، انه فيديو يجمع بينه وبين غادة ، في تلك الليلة الوحيدة ، التي خان فيها زوجته ، حاول التماسك ، وإظهار ثقته بنفسه ، اتهم هاني بفبركة ذلك الفيديو ، لتشويه سمعته ، فضحك هاني بسخرية شديدة ، طلب منه أن يتفحص الفيديو جيدا ، فليس من المعقول ، أن ينسى تلك الليلة الساخنة ، التي لم يمر عليها عدة أيام ، بإحدى شقق وسط البلد ، بصحبة الفاتنة غادة إبراهيم ، ابتلع عمر ريقه ، وتوقفت الكلمات في حلقه ، حاول أن يدافع عن نفسه ، لكن هاني نصار، غير من نبرة صوته ، وأصبح أكثر شراسة وتوحش ، وبدأ في إملاء شروطه على عمر ، بان أمامه خياران لا ثالث لهما ، إما أن ينسحب من القضية ، ويسلم المستندات التي تدين موكله ، أو يتم إرسال الفيديو إلى زوجته ، وأصدقاءه ، وزملاءه في المكتب ، ليكتشفوا حقيقة الأستاذ عمر الوكيل ، المحامي الشهير ، المتدين صاحب المبادئ والقيم ، ثم نهض من أمام عمر ، بعدما أعطاه مهلة ثلاثة أيام ليس أكثر ، حتى يبلغه بقراره ، وترك عمر في حالة يرثى لها ..
امسك عمر بهاتفه النقال ، حاول الاتصال بغادة ، لكن هاتفها لا يزال خارج نطاق الخدمة ، هرول إلى خارج المكتب في فزع ، استقل سيارته بسرعة ، اتجه إلى شقة غادة بوسط البلد ، دق جرس الباب ، ضرب الباب بيده وقدميه ، ولا احد يرد ، شعر الجيران بالانزعاج ، وصعد إليه أحدهم ، بصحبة بواب البناية ، فسأله عمر عن السيدة غادة إبراهيم ، فاخبره البواب ، أنها غادرت الشقة منذ ثلاثة أيام ، لقد كانت تستأجر ، تلك الشقة المفروشة ، لمدة شهر فقط ، اطرق عمر رأسه في الأرض ، من هول المفاجأة ، التي حطمت قلبه ، وأوشكت أن تقضي ، على حياته المهنية والأسرية .
غادر عمر البناية ، مشتت الذهن ، لا يدري ماذا سيفعل في تلك الكارثة ، قادته قدماه فتجول في شوارع وسط البلد ، جلس على مقهى جروبي ، مكث في احد المساجد حتى المساء ، أستغفر الله من الذنب ، الذي اقترفه ، وأوشك أن يدمر حياته ، ظل يتجول في الشوارع حتى منتصف الليل .
عاد إلى بيته تائها مكسورا ، فتح الباب ، فوجد زوجته في انتظاره ، وعليها علامات القلق والحيرة ، عاتبته على غيابه ، فهاتفه مغلق ، واتصلت بالمكتب ، فاخبروها انه خرج في الظهيرة ، مهرولا إلى خارج المكتب ، ولا يعرفون إلى أين ذهب ، هرول عمر إلى حضن زوجته ، جثي على ركبته تحت قدميها ، وبكى وكأنه لم يبكي من قبل ، لم يستطع أن يتحمل ، تلك الكارثة بمفرده ، فسمر تشاركه كل أفراحه وأحزانه ، حكى لها أبعاد تلك المؤامرة ، استغلال أعداءه لحبه القديم ، تلك العاهرة التي صنعوا منها شبكة لصيده ، فتح لها أحضانه ، فطعنته بسكين الغدر ، كانت سمر تسمعه ، وقلبها يحترق من الغيرة ، لم تكن تتوقع أن يخونها عمر ، أما زال يحن لعشقه القديم ، ونسي حبيبته وزوجته سمر ، التي وقفت معه ، منذ بداية الطريق ، حتى وصل إلى تلك المكانة ، وعاد إلى تلك العاهرة التي تركته مع أول اختبار ، ودت لو تصفعه على وجهه ، أن تطرده من حياتها ، ومن بيتها ، ومن حضانة أولادها ، أن تترك المركب لتغرق بمن فيها ، لكنه قبل يدها ورأسها ، طلب منها أن تسامحه، أن تظل معه ، أن لا تتركه للأيام تدمره ، مسحت على رأسه ، وأحكمت عقلها ، تذكرت العشرة الطويلة بينهما ، حبه الذي يغمرها به منذ التقيا ، لن تحاسبه على نزوة ، استغلها أعداءه ليتخلصوا منه ، لن تترك تلك النزوة لتدمر أسرتها ، مسحت على كتفه ، وذكرته أنها الوحيدة ، التي تملك حق الصفح عنه ، حيال خيانته لها ، فعمر قد خانها ، ولم يخن أهله ولا زملاءه ، وما ذنب هؤلاء الضعفاء ، الذين لجئوا إليه ليحميهم ، إن حقهم أمانة في رقبته أمام الله ، ويجب أن يستمر في القضية حتى النهاية ، حتى لا يخسر نفسه مرتين ، مرة عندما خان زوجته ، ومرة حينما خان قضيته ،لابد أن يصمد ، حتى يظل في عين أبناءه ، رجل القانون القوي .
رفع عمر رأسه ، ونظر إليها بعيونه المفعمة بالدموع ، فمدت يدها ، وساعدته على النهوض من جلسته ، حتى لا يري أبنائها ، مثلهم الأعلى في حالة الانكسار ، التي لا تريدها أن تستمر .
رغم القرار الذي اتخذه عمر ، بعدم التراجع عن القضية ، لكنه انتظر ، حتى انتهت المهلة ، التي أعطاها له هاني نصار ، حتى يعطي لنفسه الفرصة للتفكير ، كما أن موعد جلسة القضية قد اقترب ، وبالفعل اتصل به هاني نصار ، وسأل عمر عن قراره ، فاشترط عليه عمر ، قبل أن يبلغه بقراره ، أن يخبره عن علاقة غادة إبراهيم بهم ، فضحك هاني بسخرة ، من سؤاله عن حبيبته القديمة ، اخبره أنها لم تعد، تلك الفتاة الجامعية البريئة، لقد صارت عاهرة محترفة ، تستخدم لصيد الشرفاء أمثاله ، تنهد عمر بحزن شديد ، لكنه أفاق من حزنه بسرعة ، واخبره بكل حزم ، انه لن يتراجع عن القضية ، سيستمر فيها حتى النهاية ، مهما كان الثمن ، لقد أخطأ ، ويجب أن يدفع ثمن خطأه .
في تلك الليلة التي سبقت جلسة القضية ، ظل عمر ساهرا ، في غرفة مكتبه في البيت ، يستعد للمرافعة النهائية في جلسة النطق بالحكم ، دخلت عليه سمر ، تطالبه أن يرتاح قليلا ، فالساعة تقترب من الرابعة صباحا ، فربت علي يدها ، وطالبها بعدم القلق ، لكنها شعرت بالفزع ، من صوت الرسائل التي تتوالى على هاتفه النقال ، فتشبثت بجسده واحتضنته ، فربت على كتفها ، ومسح على شعرها ، واخبرها انه لم يتبقى سوى ساعات ، وتحكم المحكمة بالعدل ، وتنتهي القصة .
في صباح يوم الجلسة ، أصرت سمر على الذهاب مع زوجها ، إلى المحكمة لحضور الجلسة ، فلم يستطع رفض طلبها ، اصطحبها معه إلى المحكمة ، جلست في الصف الأول خلفه ، وبيدها هاتفه النقال ، بدأت الجلسة ، وقف عمر يصول ويجول ، أمام محامي الخصم ، هاني نصار ، وزوجته سمر مشغولة ، بكم رسائل التهديد ، التي تصل إلى زوجها عبر الهاتف ، تتوعده بالانتقام، إن لم ينسحب من الجلسة ، لم تفق سمر إلا على صوت القاضي ، يحسم القضية لصالح زوجها ، عمت الفرحة قاعة المحكمة ، ووقفت جموع الصحفيين ، يلتقطون الصور ، ويتبادلون الأحاديث الصحفية مع زوجها ، احتضن عمر زوجته المذعورة ، وخرج بها من قاعة المحكمة ، قبل رأسها معتذرا ، شكرها بأنها السبب في ذلك النجاح ، ولولا وقوفها بجواره ، لسقط إلى الأبد ، ولأضاع حقوق هؤلاء الأبرياء .
وصلا إلى باب المحكمة ، وإذا برصاصة تنطلق بسرعة الصاروخ ، من المبني المقابل للمحكمة ، لتستقر في قلب عمر ، سقط عمر على الأرض ، بين يدي زوجته ، والدماء تسيل من صدره ، رمقها بعيونه الباسمة ، وقبل يدها ، ثم صعدت روحه إلى الأبد .
إضافة تعليق جديد