
في كل صباح يفتح العالم نافذته على جولة جديدة من النار وكأن الحرب صارت دورة تدريبية مستمرة لا يتوقف فيها عدّ الساعات ولا يهدأ فيها صخب الحديد والرماد الجنود يتحركون كأنهم يعيشون على خط رفيع بين لحظة نجاة وحافة غياب والقادة يقلبون الخرائط بعيون مرهقة والحقيقة ان كل خريطة مهما تجددت تحمل الجرح نفسه اخر الدورات ليست مجرد اخبار عابرة
لكنها دروس قاسية تعيد صياغة الوعي الجمعي وتكشف كيف يتحول الانسان نفسه الى سلاح وكيف يمكن لكلمة واحدة ان تشعل جبهة وتطفئ اخرى وكيف تظل الارض هي الخاسر الاول والاخير مهما تغيرت الشعارات ومهما تبدلت الوجوه في الميدان تتداخل الاصوات الصراخ فوق صوت الرصاص والامل فوق صوت الانفجار والجندي يعرف انه جزء من لعبة اكبر منه بكثير لكنه رغم ذلك
يتمسك بآخر ذرة نور داخله وكأن البقاء نفسه اصبح معركة فرعية داخل المعركة الكبرى الدبابات تتقدم والسماء تشتعل والطائرات ترسم خطوطا من الدخان كأنها توقيع جديد فوق لوحة قديمة لم تعد تتحمل المزيد اخر الدورات تكشف ان الحرب ليست مجرد مواجهة بين قوتين بل هي اختبار حقيقي للقدرة على تحمل ما لا يحتمل للوقوف وسط الخراب دون ان يتحول القلب الى حجر
وللمضي رغم الخسائر وكأن كل رجل وامرأة وطفل هناك يتعلمون درسا مختلفا عن الصمود درسا اقسى من كل المناهج والكتب والوعود ورغم الليل الطويل يبقى هناك من يسرق لحظة هدوء ليتذكر بيته ملابسه المعلقة كما تركها كوب الشاي الذي ينتظر منذ شهور وتفاصيله الصغيرة التي لم يعرف انها ستصبح ذكرى بهذا الثقل ومع كل دورة جديدة يتأكد ان احلامه البسيطة كانت اغلى
مما ظن وان الاستقرار كان نعمة لا يشعر بها الا من فقدها
وعلى الهامش يقف العالم يشاهد يستنكر يحلل يعقد اجتماعات طويلة تنتهي ببيانات قصيرة بينما النار على الارض تطول وتمتد اكثر من اي بيان واكثر من اي جلسة كل طرف يقرأ المشهد بطريقته لكن من يعيشون وسط الدخان هم وحدهم الذين يملكون الحقيقة كاملة الحقيقة التي لا تحتاج ترجمة ولا تحتاج خبيرا لتفسيرها
اخر الدورات تقول ان الحرب لا تكبر لكنها تتجدد وانها لا تتوقف لكنها تعيد ترتيب فصولها وان الذكريات فيها لا تمحى بل تتكاثر وان الانسان مهما حاول ان يبدو اقوى من الخوف ستفضحه رجفة صغيرة في يده او شهقة مكتومة في صدره وتعلمه ان الشجاعة ليست غياب الخوف بل السير رغم الخوف يبقى سؤال واحد يطرق صدور الجميع الى متى سيظل العالم يعيد نفس الدرس بنفس
الوجع ونفس الدم ونفس الوجوه التي تلوح للغيب ولا تعود ابدا الى متى سيظل التراب يحمل اسماء جديدة بينما السلام يقف عند الباب ينتظر من يفتحه له دون شروط هذا هو المشهد كما يُرى من قلب العاصفة لا من نشرات الاخبار ولا من مقالات الصحف مشهد يتغير كل يوم لكنه يحتفظ بنبض واحد نبض ارض لا تزال تصرخ وقلوب لا تزال تحلم رغم كل شيء
إضافة تعليق جديد