رئيس مجلس الإدارة   
            د/ نبيلة سامى                   

                                               

          صحافة من أجل الوطن 

              (  مجلة مصر )

                             ( أحدث إصدارتنا)

الثلاثاء 24 مارس 2026 10:32 م توقيت القاهرة

حال المحسنين في عباداتهم

بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد كان بعض السلف إذا صلى صلاة استغفر من تقصيره فيها كما يستغفر المذنب من ذنبه، فإذا كان هذا حال المحسنين في عباداتهم، فكيف حال المسيئين؟ وإن أنفع الاستغفار ما قارنته التوبة، والتوبة حل عقدة الإصرار على الذنب، فمن استغفر بلسانه وقلبه عن المعصية زالت، ومن كان عزمه أن يرجع إلى المعاصي بعد رمضان ويعود فهذا صدقه غير موجود، وباب القبول عنه مسدود، وصومه عليه مردود، يصوم ويقوم ويتابع على المعاصي كيف يكون ذلك؟ فالمهم إذن أيها المسلمون أن نكثر من الاستغفار بعد هذا الشهر، لعل الله تعالى أن يتجاوز عنا إسرافنا وتفريطنا، وما حصل منا من المعاصي والسيئات في ذلك الشهر الذي تعظم فيه السيئة لفضله وشرفه، وقال رجل للحسن البصرى يا أبا سعيد إنى أبيت معافى، وأحب قيام الليل، وأعدّ طهورى، فما بالى لا أقوم ؟ فقال الحسن ذنوبك قيدتك" 

وقال رحمه الله إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل وصيام النهار، وقال الفضيل بن عياض إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار، فأعلم أنك محروم مكبّل، كبلتك خطيئتك، وقيام الليل عبادة تصل القلب بالله تعالى، وتجعله قادرا على التغلب على مغريات الحياة الفانية، وعلى مجاهدة النفس في وقت هدأت فيه الأصوات، ونامت العيون وتقلب النوام على الفرش ولذا كان قيام الليل من مقاييس العزيمة الصادقة، وسمات النفوس الكبيرة وقد مدحهم الله وميزهم عن غيرهم بقوله تعالى "أمّن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب" ولقد مضت معظم الأيام المعدودات أيام شهر رمضان المبارك ولم يتبقي سوي أيام وقلوب المسلمين على فراقه حزينة، مضى رمضان ليكون شاهدا للمؤمن بطاعته وصالح عمله وعبادته وإحسانه. 

وشاهدا على المقصر بتقصيره وتفريطه وغفلته وعصيانه، وأحسن في رمضان أقوام ففازوا وسبقوا، وأساء فيه آخرون فرجعوا بالخيبة والخسران، فمن كانت حاله بعد رمضان أحسن من حاله منها قبله، مقبلا على الخير، حريصا على الطاعة، مواظبا على الجمع والجماعات، مفارقا للمعاصي والسيئات، فهذه أمارة قبول عمله إن شاء الله تعالى، ومن كانت حاله بعد رمضان كحاله قبلها فهو وإن أقبل على الله في رمضان إلا أنه سرعان ما نكص على عقبه، ونقض ما أبرم مع ربه من عهود ومواثيق، فتراه يهجر الطاعات، ويضيع الصلوات، ويتبع الشهوات، ولا يصون سمعه وبصره وجوارحه عن المحرمات، فليعلم هذا وأمثاله أن رب الشهور واحد، وهو في كل الأزمان مطلع على أعمال عباده ومشاهد، فلقد كان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه، ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله. 

ويخافون من رده، وهؤلاء هم الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، فكنتم فى شهر الخير والبركة، تصومون نهاره، وتقومون من ليله، وتتقربون إلى ربكم بأنواع القربات طمعا فى ثوابه، وخوفا من عقابه، ثم انتهت تلك الأيام وانقضت تلك الليالى وكأنها طيف خيال، ولقد قطعتم بتلك الليالي والأيام مرحلة من حياتكم لن تعود إليكم، وإنما يبقى لكم ما أودعتموه فيها من خير أو شر، وهكذا كل أيام العمر، مراحل تقطعونها يوما بعد يوم، وأنتم تسيرون في طريق الآخرة، فهى تنقص من أعماركم وتقربكم من آجالكم، وعن فضالة بن عبيد قال " لأن أكون أعلم أن الله قد تقبل مني مثقال حبة من خردل أحب إلى من الدنيا وما فيها، لأن الله تعالى يقول "إنما يتقبل الله من المتقين" فقال عبد العزيز بن أبى رواد " أدركتهم يجتهدون فى العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهم أيقبل منهم أم لا، ولقد كانوا رحمهم الله يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان. 

ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم" وإن من علامات قبول الطاعة الطاعة بعدها، فعلينا مواصلة الطاعات ومتابعة القربات، ولا يكن آخر العهد بالقرآن ختمة رمضان، ولا بالقيام آخر ليلة من لياليه، ولا بالبر والجود آخر يوم فيه، وإذا كان رمضان قد أوشك علي الإنقضاء، فإن الصيام والقيام وتلاوة القرآن والعبادة والطاعة لم تنقضي، ومن كان يعبد رمضان فإنه ينقضي ويفوت ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وبئس العبد عبد لا يعرف ربه إلا في رمضان.

تصنيف المقال : 

إضافة تعليق جديد

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
16 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.