رئيس مجلس الإدارة   
            د/ نبيلة سامى                   

                                               

          صحافة من أجل الوطن 

              (  مجلة مصر )

                             ( أحدث إصدارتنا)

الثلاثاء 24 مارس 2026 10:39 م توقيت القاهرة

مقاييس العزيمة الصادقة.. بقلم / محمـــد الدكـــروري

اعلموا أن قيام الليل من مقاييس العزيمة الصادقة، وسمات النفوس الكبيرة وقد مدحهم الله تعالي وميزهم عن غيرهم بقوله تعالى " أمّن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب" ولقد مضى شهر رمضان وقلوب المسلمين على فراقه حزينة، ومضى رمضان ليكون شاهدا للمؤمن بطاعته وصالح عمله وعبادته وإحسانه، وشاهدا على المقصر بتقصيره وتفريطه وغفلته وعصيانه، فقد أحسن في رمضان أقوام ففازوا وسبقوا، وأساء فيه آخرون فرجعوا بالخيبة والخسران، فمن كانت حاله بعد رمضان أحسن من حاله منها قبله، مقبلا على الخير، حريصا على الطاعة، مواظبا على الجمع والجماعات، مفارقا للمعاصي والسيئات، فهذه أمارة قبول عمله إن شاء الله تعالى، ومن كانت حاله بعد رمضان كحاله قبلها.
فهو وإن أقبل على الله في رمضان إلا أنه سرعان ما نكص على عقبه، ونقض ما أبرم مع ربه من عهود ومواثيق، فتراه يهجر الطاعات ويضيع الصلوات ويتبع الشهوات ولا يصون سمعه وبصره وجوارحه عن المحرمات، فليعلم هذا وأمثاله أن رب الشهور واحد، وهو في كل الأزمان مطلع على أعمال عباده ومشاهد، فلقد كان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه، ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله ويخافون من رده، وهؤلاء هم الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، فكنتم فى شهر الخير والبركة تصومون نهاره، وتقومون من ليله، وتتقربون إلى ربكم بأنواع القربات طمعا فى ثوابه وخوفا من عقابه، ثم إنتهت تلك الأيام وإنقضت تلك الليالى وكأنها طيف خيال، ولقد قطعتم بتلك الليالي والأيام مرحلة من حياتكم لن تعود إليكم، وإنما يبقى لكم ما أودعتموه فيها من خير أو شر.
وهكذا كل أيام العمر، مراحل تقطعونها يوما بعد يوم، وأنتم تسيرون في طريق الآخرة، فهى تنقص من أعماركم وتقربكم من آجالكم، وعن فضالة بن عبيد قال " لأن أكون أعلم أن الله قد تقبل مني مثقال حبة من خردل أحب إلى من الدنيا وما فيها، لأن الله تعالى يقول "إنما يتقبل الله من المتقين" فقال عبد العزيز بن أبى رواد " أدركتهم يجتهدون فى العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهم أيقبل منهم أم لا، ولقد كانوا رحمهم الله يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم" وإعلموا أن من علامات قبول الطاعة هو الطاعة بعدها، فعلينا مواصلة الطاعات ومتابعة القربات، ولا يكن آخر العهد بالقرآن ختمة رمضان، ولا بالقيام آخر ليلة من لياليه، ولا بالبر والجود آخر يوم فيه، وإذا كان رمضان قد إنقضى فإن الصيام والقيام وتلاوة القرآن والعبادة والطاعة لم تنقضي.
ومن كان يعبد رمضان فإنه ينقضي ويفوت ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وبئس العبد عبد لا يعرف ربه إلا في رمضان، ولقد حذرنا الله تعالى أن نكون مثل بلعام بن باعوراء، وهو عالم بني إسرائيل الذي أذاقة الله حلاوة الإيمان وآتاه أياته، ثم انقلب على عقبيه واشترى الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، وانسلخ من آيات الله تعالي كما تنسلخ الحية من جلدها، وحذرنا ربنا سبحانه وتعالي أن نكون مثل "ريطة بنت سعد" وهي امرأة مجنونة كانت بمكة، كانت تغزل طول يومها غزلا قويا محكما ثم آخر النهار تنقضه أنكاثا، أى تفسده بعد إحكامه، وحذر النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم من ترك الطاعة بعد التعود عليها، فقال لعبد الله بن عمرو " ياعبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل" وسئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن عمله فقالت" كان عمله ديمة " رواه البخارى ومسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم "إن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل" رواه مسلم، وها هو شهر رمضان قد مضى، ومضى بأيامه الفاضلة، ولياليه العامرة، بعد أن كان ملء أسماعنا وأبصارنا، وحديث منابرنا وزينة منائرنا وسمر مجالسنا وحياة مساجدنا، فقد مضى وخلف الناس بعده بين شقي وسعيد وفائز وخاسر، ولقد فاز في رمضان من فاز بالرحمة والغفران، والعتق من النيران، وخسر من خسر بسبب الغفلة والبطلان، والذنوب والعصيان، فليت شعرى من المقبول منا فنهنيه، ومن المطرود فنعزيه؟ وإن امرءا ينجو من النار بعد ما تزود من أعمالها لسعيد.

تصنيف المقال : 

إضافة تعليق جديد

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
2 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.