
بقلم الأديب / فاروق الحضري
________________
رثاء الربيع أيها الشاعر
__________________
للشاعر العراقي / هيثم الأسدي
============
يعتريني تعب المشوار
النوم يجذبني بعذوبة
المرآة تنظر لي بريبة
وأنا وعيناي
أنتظر عيون الشموع
هي من تغوي ضالتي العمياء
رياح الخريف تصرخ
وعويل المرايا تسحب الدخان
وأبقى انتظر
أريد أن أمزق هذا الدثار
الشتاء يبحث عني
والذاكرة كالدفء تلتحف جلدي
أسمع أغنيات النساء
وزفة العرس العسلية
وأنا أقف شاخصا
بين هذا الهمس بداخلي
وبين سفينتي التي تمخر عباب العمر
يفزعني الموت يغتال الدموع
التفكير أجهد ذاكرتي
أريد من دمائي أن تنبض من جديد
رماد الحب يحترق ومازال يمضي
الماء سر الألق
يطفح من تلك السواقي
يعيد النضارة إلى الغصون اليابسات
المعنى في الحروف
خائفة وجلة ترتجف
لقد هرم الساق والقلم
لا تتوهم بالهوى
ينادي عليك
هوى ترقرقت عيناه
سيذوب الشباب ويرثيه المشيب
لا سلام ولا كلام
فقط حطام من الورد والأغصان
صدقوني لقد هرمت الأغاني
وهرم الطرب فأغيثوه
======================
العواطف نعمةٌ وعطيةٌ من الخالق، ولولاها لغدتْ الحّياة جامّدة ساكنة ومُملة، و لذبلتْ النفس وما كان للفن والإبداع وجود ولا للجمال سحره. وتعلم دائمًا أن تُشارك الآخرين بمشاعرك بعيداً عن البرودة والجمّود والذاتية والأنانية والتكبر..، وقد قال الجاحظ : "المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمى والعربي، والبدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج ، وفي صحة الطبع، وجودة السبك، فإنما الشعر صياغة، وضرب من التصوير " ..ولكل شاعر من الشعراء عالمه الخاص وقاموسه الذاتي ، وعمر الإنسان رحلة لها بداية ، ولها نهاية ،والقوة في ربيع العمر ، والهوان في خريفه ..والشاعر في قصيدته يعبر عن مرحلة خريف العمر التي تتغير فيها أحوال الإنسان ، وملامحه كما قال الشاعر أبو العتاهية: (ألا ليت الشباب يعود يوما...فأخبره بما فعل المشيب) ..ومهما حدث للإنسان من تقلبات وتغيرات فإن الأمل يعيش فيه ..الشاعر يجذب استماعنا ببراعة استهلال ( يعتريني تعب المشوار ..النوم يجذبني بعذوبة..المرآة تنظر لي بريبة ) وكلها تعبر عن الضعف والهوان ..ويستمر الصراع في نفس الشاعر بين اليأس والأمل ، ويلوح له الأمل من بعيد كقوله : (أنا وعيناي.. أنتظر عيون الشموع ..أريد من دمائي ان تنبض من جديد )..لكنه سرعان مايعود الألم عندما يجد سفينة عمره تمخر عباب الخريف فلا تطربه أغنيات النساء ، ولا زفة العرس التي يبحث فيها عن إشراقة أمل جديد يطل بابتسامة عذبة ..الغرض الشعري من النص هو رثاء مرحلة عمرية من حياة الشاعر مرحلة ربيع العمر حيث تمتع فيها بالشعور بالبهجة والقوة والسعادة ، وقد عبر الشاعر عن غرضه بوضع عنوان للقصيدة يؤكد مضمونها ، و العاطفة في القصيدة متنوعة مابين: ( القلق والحيرة واليأس والتشاؤم) واستخدم الشاعر تعبيرات تدل على العاطفة مثل ( رياح الخريف تصرخ..يفزعني الموت يختال الدموع..لقد هرم الساق والقلم ..صدقوني لقد هرمت الاغاني .. وهرم الطرب فأغيثوه ).. الأفكار جاءت معبرة عن مقصود الشاعر ، والألفاظ قوية خالية من الغرابة والتعقيد والتنافر تتميز بالسهولة والوضوح ، وقد برع الشاعر في تركيب الجمل وجعلنا نشاركه المشاعر والأحاسيس بتجربته الذاتية..وتميزت قصيدة الشاعر بوحدة الموضوع وهو رثاء فترة جميلة في حياة الإنسان ، ووحدة الجو النفسي في إحساس الشاعر بالأسى والحزن علي مرحلة ربيع العمر..
وموسيقى النص جميلة خفية تظهر في حسن تناسق الألفاظ
وروعة الانسجام بينها.. أما عن الخيال فإن الشاعر رسم لنا صورة كلية كأنها لوحة فنية مكتملة العناصر تتضح فيما يلي : الصوت في : ( تصرخ ..تمخر..أغنيات..أغبثوه) ، واللون في : (الدخان ..العسلية ..الغصون..ورد ) ، والحركة في : ( تمخر..تنبض ..يمضي ..يطفح).. واستخدم الشاعر الخيال الجزئي كالتشبه والاستعارة والكناية ليحقق التجسيم والتوضيح ..
شكرا للشاعر على هذه الكلمات الرائعة التي جعلتنا نسبح في عالم المتعة والجمال..
إضافة تعليق جديد