
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلموا أن المؤمن الصادق شاكر فى السراء، وثابت في الضراء، وفى حكمة الابتلاء تستيقظ النفوس، وترقّ القلوب، وتصدق المحاسبة، وفى ساعات الابتلاء يتجلى الثبات في الشديد من اللحظات، وسط صرخات اليائسين، وتبرم الشاكين، وقلق الشاكين، وإن الاستقامة على الحق، وملازمة العمل الصالح، من أعظم أسباب الثبات في الأزمات والملمات، ولا تطمئن إلى ثبات من الكسالى والقاعدين إذا أطلت الفتن برأسها، وادلهمت الخطوب بويلاتها، وقد وصل المشركون إلى هذا الغار، وفي داخله رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فخاف على الرسول صلى الله عليه وسلم، وهنا يقول الله تعالى، كما جاء فى سورة التوبه " إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثانى إثنين إذ هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا"
وقال صلى الله عليه وسلم لأبى بكر في الغار "يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ وبعد ثلاثة أيام توجه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أن هدأ الطلب، وكما قلنا أن فى الطريق رآهما سراقة سيد بنى مدلج، فتقدم شاهرا سيفه طامعا في الجائزة، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فساخت قوائم فرسه إلى بطنه فى أرض صُلبة، فقال سراقة يا محمد، علمت أن هذا عملك، فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه، فدعا له فنهض الفرس، ورجع سراقة يعمي عنهما الطلب، وقد سمع المسلمون فى المدينة بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج حوالي خمسمائة صحابى بأسلحتهم يستقبلون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعلت النساء والصبيان ينشدون طلع البدر علينا من ثنيات الوداع ، وجب الشكر علينا ما دعا لله داع ، أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع ، جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير داع.
ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى بناء المسجد، ولما تَم بُنيت حجرات سكن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن أول عمل مدنى قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المدينة أنه آخى بين المهاجرين والأنصار فى دار أنس بن مالك رضى الله عنه، وأيضا المعاهدة مع اليهود، حيث كان فى المدينة يهود بنى قينقاع وبنى النضير وبني قريظة، فكتب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم عهدا بين المهاجرين والأنصار واليهود، وأهم بنودها هو ألا ينصر ساكن المدينة من فعل شرا ولا يؤويه، وعلى اليهود أن ينفقوا على المسلمين ما داموا محاربين، ولا يخرج منهم أحد إلا بإذن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا نشأ خلاف بين أطراف هذه المعاهدة، فإن مرد الحكم فيه إلى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وأن بين أهل هذه الصحيفة النصر على من داهم المدينة.
وأصبح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم المرجع الأول والأخير في الحقوق المدنية، وهو القائد الأعلى في الشؤون العسكرية، وهو مؤسس الدولة الإسلامية، لها قاعدتها، ولها أرضها، ولها حدودها، ولما اقتربت قافلة أبي سفيان من هذه الحدود، خرج الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لملاقاتها، وكانت غزوة بدر أول معركة حربية كبيرة وقعت بين المسلمين والمشركين، حيث كان الطريق من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة يمر من مدينة بدر، فترى قوافل الحجاج والمعتمرين، والمدينة متفجرة بالحيوية والحياة، وقد وقعت عند ماء بدر، وإن ماء بدر، هو البئر الذى كان لبدر بن أمية، أو قيل بدر بن الحارث، وهذا هو المكان الذى جرت فيه هذه المعركة، وفى العدوة الدنيا، كان الرسول صلى الله عليه وسلم وفى نهاية عرض الوادى، العدوة القصوى، هناك كان المشركون.
إضافة تعليق جديد