

بقلم الأديب/ فاروق الحضري
( الناس في بلادي)
=========
للشاعرة الجزائرية / سحر القوافي
____________
أتوسد أوجاعي لأنام..
ارهقتني أشجاني..
وهدتني خطوب اهلي وخلاني
ووجنون عشقك أخبلني..
ووجهك الآخر المهاجر
في سراديب التيه
وأفياء السراب أبكاني
وجهك الشاحب المصلوب ..
يفتش في غياهب الغياب
عن خبز وماء..
يفتش عن وجه الكرامة المنسي..
يفتش عن وطن..
يتردد نشيج آهاتي الواهنة
خلف ربوع رباك..
وخلف المرايا تتجدد أوجاع الزمن
وطني أنت..ووجعي أنت..
وفي روحي ينساب هواك..
وفي رباك أزهرت المحن..
ورأيتك من خلف السحاب
تسح العبرات..
ونسيت أنك ستمطر في روحي..
أشجى نغم..
ونسيت أن أقرأ سورة الناس ..
والناس في بلادي شاحبة الوجوه
والناس في بلادي مقضبة الجباه
والناس في بلادي سيزيف الجديد
وعيونهم حبلى بالأسي..
مغبشة بالغبار والرماد
أثقلتهم الرزايا والفتن..
والناس في بلادي بلا وجوه
الناس في بلادي
يخفون عريهم ببدلات أنيقة
يخفون جوعهم بدخان سيجارة..
يخفون ضياعهم بعشق النساء
الناس في بلادي
لبسوا أسمال الحضارة
امرأة تلوثت في شوارع الليل..
امرأة بأقنعة الزيف والأناقة..
تنتظر دورها في طابور الدعارة..
رجل التهمته ديار الغربة..
يمتهن الذل في شوارع النسيان
رجل ديوث يقود السيارة..
وسربروس يعزف
على الأرواح والقيثارة
الناس في بلادي
مترعة بالأسى
مرتاعة من الأهوال
وزبانية السلطان
الناس في بلادي.. سكنوا المقابر..
وأدمنوا المهانة والمزاهر..
وأدمنوا البقاء على هامش الحضارة
الناس في بلادي.. أشباه موتى
غرقى..يلوحون بالأيادي
قد خيم على قلوبهم المساء
وهبت عليهم رياح الأسى
الناس في بلادي بقايا إنسان
فقد ظله وأخطأ العنوان..
============
شاعرة تكتب بكل طفولة وبكل براءة ..مدادها دموع تسحها على الورق حبيبها يعيش فيها وتعيش فيه إنه الوطن إنه السكن ، وهو الفرح والشجن .. قصيدة الشاعرة مدينة بلا حدود ، ولغتها بحر عميق لاشاطئ له ، والشاعرة واسعة الثقافة استلهمت التراث ليكون رمزا وواقعا في حاضرنا كقصة (سيزيف )الأسطورية الذي حكمت عليه الآلهة أن يحمل صخرة صماء ثقيلة إلى قمة جبل ، وكلما يصل تتدحرج الصخرة الي أسفل فيحملها مرارا وتكرارا وهكذا حال الناس في الأوطان عندما يدركهم الفشل ..لتقول لنا بكل جراءة
الناس في بلادي ( شاحبة الوجوه..مقضبة الجباه..سيزيف الجديد )... فالحضارة قد تغير من سجايا البشر وطبائعهم وأخلاقهم .. وقد تختلف نظرة الشاعرة لوطنها فترى المساء قد خيم علي رءوس الناس معبرة بقولها ( الناس فى بلادي أشباه موتى.. غرقى يلوحون بالأيادي قد خيم على قلوبهم المساء ) ..الشاعرة كتبت نصها بنظرة تشاؤمية فالشعوب فى عالمنا تواجه أنياب الفقر والجهل والمرض .والدنيا دار غرور تضحك باكيا وتبكي ضاحكا.. وتثري مقترا وتقتر مثريا غرارة لعابة بأهلها ، وقد قال أبو هلال العسكري :" ولا خير في قوم تذل كرامهم ...ويعظم فيهم نذلهم ويسود"
القصيدة ألفاظها سهلة واضحة لا غرابة فيها ولا تنافر
والأسلوب خبري ليؤكد الفكرة ..وكل زيادة في المبنى تؤدي إلي زيادة في المعنى..والصورة فى القصيدة كلية كلوحة فنية مكتملة العناصر (صوتا..وضوء ..وحركة ) ، وجزيئة تنوعت ما بين التشبيه والكناية والاستعارة) ..وقد ظهرت الوحدة العضوية متجلية فى وحدة الموضوع المتمثل فى أحوال أبناء الوطن، ووحدة الجو النفسي لمعاناة الشاعرة وألمها ، والعاطفة التي يغلب عليها التشاؤم) وموسيقى النص جميلة فى تناسق الألفاظ وتوافق حروف الكلمات ...
شكرا للشاعرة المبدعة على هذا النص الجميل.
إضافة تعليق جديد