رئيس مجلس الإدارة   
            د/ نبيلة سامى                   

                                               

          صحافة من أجل الوطن 

              (  مجلة مصر )

                             ( أحدث إصدارتنا)

الأربعاء 25 فبراير 2026 4:05 ص توقيت القاهرة

••《 أسطورة السلطان عبد الحميد الثاني 》••

السلطان "عبد الحميد الثاني" هو السلطان الرابع والثلاثون من سلاطين الدولة العثمانية .. والسادس والعشرون من سلاطين آل عثمان الذين جمعوا بين الخلافة والسلطنة وآخر من امتلك سلطة فعلية منهم .. فترة حكمه (من عام 1876، وخلع عام 1909) أي أن فترة حكمه امتدت 33 عاماً ..
(تذكر هذا التاريخ جيدا) ..

لا تختلف شهرة السلطان عبد الحميد الثاني كثيرا عن شهرة حفيده الحالي قردوغان .. فاﻷثنان يحملان نفس جينات الخداع والمكر واللعب بالبيضة والحجر ..

فالسلطان عبد الحميد تنطلق شهرته بين أوساط اﻷسلاميين وشماشرجية السلطان وحملة المباخر .. من منطلق أنه كان خليفة المسلمين وواحد من أشد المدافعين عن اﻷسلام والمسلمين وله دور أسطوري في الدفاع عن فلسطين ورفضه أستيطان اليهود بها .. وهناك قصة مبكية الصراحة تتناغم مع إيقاع المسلسلات التركية ويروج لها دائما هؤلاء اﻷغوات الذين يحنون لكرباك السلطان ..

تقول اﻷسطورة أن تيودور هرتزل (مؤسس الصهيونية) عرض على السلطان دفع كل ديون السلطنة الخارجية مقابل تقديم فلسطين لليهود ليقيموا عليها دولة لهم .. ولكن جاء الرد حازم من السلطان عليه حين قال له:

《 لا أستطيع بيع حتى ولو شبر واحد من هذه الأرض .. لأن هذه الأرض ليست ملك يميني بل هي ملكٌ للدولة العثمانية .. نحن ما أخذنا هذه الأراضي إلا بسكب الدماء والقوة .. ولن نسلّمها لأحد إلا بسكب الدماء والقوة .. والله لئن قطّعتم جسدي قطعة قطعة لن أتخلّى عن شبرٍ واحد من فلسطين 》..

تقول اﻷسطورة أيضا أن هذا الموقف الجليل هو ما عجل بسقوط السلطان وسيطرة جمعية الاتحاد والترقي على الحكم .. مفسرين ذلك بأنه انتقام الصهيونية من السلطان عبد الحميد لعدم قبوله ببيع فلسطين لهم ..

فهل فعلا ما بدر من السلطان عبد الحميد كان كان نابع من أنه خليفة المسلمين والمدافع عن أراضيهم ومقدساتهم هل فعلا كان معارضا للفكرة وهل أتخذ خطوات فعلية لمنع هجرة اليهود لفلسطين .. أم أنه كان هناك ما يحاك في الغرف المغلقة كما يفعل حفيده قردوغان حاليا .. خطب رنانة تدغدغ المشاعر وتؤجج العواطف .. وفي الخفاء صفقات وتطبيع وعلاقات كاملة مع الصهاينة ..

تقول الدكتورة فدوى نصيرات في كتابها إن الفترة الزمنية بين عامي (1876-1908م) هي المرحلة التي بدأت فيها طلائع الصهاينة بالهجرة الى فلسطين وبداية تأسيس المستعمرات بشكل منظم. وانطلقت بدايات السيطرة الاقتصادية من تأسيس البنوك والشركات التي تعنى بنشاط الحركة الصهيونية وتدفع بها نحو تحقيق اهدافها ..

فقد فتح الباب على مصراعيه للنشاط الاقتصادي إذ سمح بإقامة عشرات البنوك، الشركات، الجمعيات، والوكالات الصهيونية وذلك لغزو فلسطين ماليا وبشريا ..
▪المرجع: (لين، وولتر، الصندوق القومي اليهودي).

في عهد السلطان عبد الحميد الثاني نجد أن السلطان قد كتب فرمانات بخط يده عام (1896م) ليحول دون استيطان اليهود في فلسطين خشية قيامهم بتشكيل حكومة يهودية عنصرية في فلسطين وبعثها الى الصدارة العظمى لاتخاذ قرار عام في هذا الموضوع .. وهي من خلالها يتلمس وعي السلطان عبد الحميد الثاني الكامل للهدف الحقيقي من هجرة اليهود وهو تشكيل حكومة يهودية في فلسطين بتشجيع من الدول الأوروبية .. وانهم ان أسكنوا أي جزء من الدولة العثمانية (كما كان قد سمح لهم) فسيتسللون الى فلسطين".

وأضافت "وهذا التناقض الصارخ في موقف السلطان "سنراه لاحقا"حين عرض على (مؤسس الحركة الصهيونية) تيودور هرتزل استيطان أي جزء من الدولة العثمانية عدا فلسطين .. فهو حين عرض العرض كان يعلم ان بمقدور اليهود التسلل الى فلسطين اذا فتح لهم الباب لكن من جهات أخرى .. وبعد إصدار فرمانات (1891) وردت تقارير للآستانة حول كثرة المستعمرات وتنبه السلطان لها دون إتخاذ أي إجراءات من شأنها ان توقف الهجرة ..

جدير بالذكر أن عدد المستعمرات الصهيونية في فلسطين خلال فترة حكمه بلغ 36 مستعمرة .. على أرض مساحتها (408.742) دونما .. ومنها مستعمرات مكفية إسرائيل (1870م) ومستعمرة بتاح تكفا (1878م) ومستعمرة ريشون ليصيون .. ومستعمرة زخرون يعقوب .. ومستعمرة عكرون .. ومستعمرة نس تصيونا .. ومستعمرة جديرا ..

ومن الجدير بالذكر أيضا أن هذه المستوطنات لم يقتصر دورها على إيواء جموع المستوطنين وحسب بل اتخذت كأوكارا لأعضاء الحركة الصهيونية وشركاتها وبنوكها وجمعياتها ووكلائها للانطلاق لشراء المزيد من الأراضي وبناء المستوطنات فيها ..

كما عقدت في عهده المؤتمرات الصهيونية على أرض فلسطين وكان بدؤها في العام (1901م) في مستعمرة “زخرون يعقوب” الذي استهدف تنظيم وتوحيد صفوف يهود فلسطين .. وكان عقد مثل هذه المؤتمرات على أرض فلسطين يعد كسبا معنويا للحركة الصهيونية وجذبا لليهود قاطبة إلى فلسطين بصفتها أرض الميعاد التي تجذبهم دينيا ..
▪المرجع: (عبدالعزيز، الشناوي، الدولة العثمانية دولة مفترى عليها).

إن هذه الفترة "تزامنت مع بدء إصدار فرمانات منع الهجرة والاستيطان فكيف نشأت هذه المستعمرات وبهذه الفترة الزمنية القصيرة؟! وفي الاعوام ما بين (1890 و1900) تم تأسيس الكثير من المستعمرات في وقت شددت فيه الدولة العثمانية من إجراءاتها لمنع دخول اليهود. وعبر الأهالي عن معارضتهم لهذا الاستيطان من خلال مخاطبة الدولة بعرائض موقعة من جميع فئات المجتمع مطالبين بمنع قدوم اليهود ومنع شراء الأراضي بخاصة في القدس ..

ومن المستغرب ان الدولة العثمانية اعترفت بوجود المستعمرات التي تأسست قبل إعلان المنع .. وهو ما سمح للبارون روتشيلد بتسجيل الأراضي التي اشتراها باسمه وسمحت لليهود بشراء الاراضي في كل أنحاء سوريا ..

ومن المستعمرات التي أسست في تلك الفترة : بيئر طوفيا (1886) ورحبوت (1890) وعرتوف (1895) والخضيرة (1890) ومتولا (1895) .. وجاء تأسيسها في اثر تمرد قام به سكان المنطقة ضد الدولة العثمانية عند استعداد روتشيلد لشراء أراضيهم فوافقت السلطات المحلية على ذلك وأجبرت الأهالي على الرحيل وطردتهم من أراضيهم بعد أن أعطتهم تعويضات رمزية وأسكنت مستوطنين يهودا مكانهم."

وما إن حل عام (1897) حتى كان هناك 19 مستعمرة غطت مساحة 45 ألف دونم وضمت 4350 نسمة إضافة الى أرض غير مستعمرة لليهود 10 الاف دونم غرب نهر الأردن و20 الف دونم شرق الاردن .. كما وصل عدد اليهود الى 45 ألفا يعيشون في تسع قرى (28 ألفا في القدس وحدها) .. ومع نهاية القرن التاسع عشر كان عدد اليهود حوالى 50 ألفا ..

رغم ان الصهاينة قد فشلوا في تحقيق أهدافهم السياسية بالحصول على (ميثاق فرماني) لدولتهم اليهودية، المقترحة لكنهم تمكنوا من ان يوطنوا آلافا من اليهود في فلسطين .. إذ ازدادت أعدادهم عام (1908) الى 80 ألفا أي نحو ثلاثة أضعاف ما كان عليه عددهم في عام (1882) حيث كان عدد اليهود لا يتعدى 24 ألفا، وبهذا ازدادت نسبتهم من 5 بالمئة الى 11 بالمئة (80 ألفا من عدد السكان الذي وصل في عام (1908) الى نحو 700 ألف نسمة)، وكان أكثر من خمسين ألفا من الوافدين الجدد من الصهيونيين الذين لم يحصلوا على الجنسية العثمانية ..

وقد تمثلت ردود الفعل الحميدة على العرائض والشكاوى التي رفعها أهالي فلسطين للسلطان مطالبين من خلالها بوقف المد الصهيوني على أراضيهم .. بالتراجع لفترة قصيرة عن بعض القرارات التي سمحت بالهجرة وبيع الاراضي ..ولكن لمدة زمنية ليس لها تأثير يذكر إذ سرعان ما تم تعديلها لمصلحة الصهاينة ..

فقد أصدر “فرمانات جزئية” لصالح اليهود وأذن لهم بمقتضاها شراء الأراضي داخل فلسطين هذه الفرمانات شكلت سندا قويا في يد الصهيونية للتوسع في شراء الأراضي سواء بطرق مشروعة أو غير مشروعة ..
▪المرجع: (سليمان، محمد، قانون التنظيمات العثماني وتملك اليهود في فلسطين).

ولسداد ديون الدولة العثمانية دخل السلطان عبد الحميد في مفاوضات مطولة مع هيرتزل استمرت منذ العام (1897-1901م) إذ قابله ثلاث مرات وباءت بالفشل لان هيرتزل لم يستطع جمع المال اللازم من أثرياء اليهود ..

ومن يقرأ المفاوضات بتفاصيلها الدقيقة يخرج بنتيجة مفادها أن السلطان لم يكن يسمح بالسيطرة على فلسطين مباشرة لكن على حد تعبير هيرتزل “كان السلطان يقول لهم ادخلوا هذه البلاد كرجال مال، واكسبوا أصدقاء لكن بعد ذلك تستطيعون ان تفعلوا ما تشاءون”
▪المرجع: (ج.م.ن. جفريز، فلسطين إليكم الحقيقة).

》نرجع تاني لرسالة السلطان عبد الحميد الثاني المؤثرة إلى تيودور هرتزل والتي كانت بتاريخ 19 يونيو 1896) وتابع معي هذه التفاصيل فالشيطان يكمن دائما في التفاصيل ..

فبعد تاريخ هذه الرسالة بأربعة أيام فقط .. أي في 23 يونيو .. تبدأ مفاوضات سرية بين الصدر الأعظم خليل رفعت باشا وهرتزل والذي كان قد استخدم هويته الصحفية وقتها لكي لا يلفت الأنظار لمهمته الحقيقة ..

وبعدها بأربعة أيام فقط أي في 27 يونيو .. يحصل هرتزل على الوسام المجيدي العثماني .. من الدرجة الثالثة .. ولنا أن نتساءل عن السبب الذي حدا بالسلطان لتقديم وسام كهذا إلى من يسعى لتقسيم بلاده .. !!!!

وللعلم هذا ليس هو الوسام الوحيد الذي حصل عليه هرتزل من السلطان عبد الحميد .. ففي (18 أو 19 مايو 1901) حصل هرتزل هذه المرة على الوسام المجيدي من الدرجة الأولى .. ومرة أخرى ننسائل ما الذي دفع السلطان لتقديم أكثر من وسام لمن يريد أن يقسم بلاده لصالح اليهود ..!!!

بعد كل هذا السرد التاريخي .. أذكر وجه اﻷختلاف بين السلطان عبد الحميد .. وبين الحفيد قردوغان .

المصادر:
● كتاب "دور السلطان عبد الحميد الثاني العثماني في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين (1876- 1909) .. للمؤرخة والباحثة الأردنية دكتورة فدوى نصيرات.
http://freearabvoice.org/?p=358

● ويكيبيديا - النيشان المجيدي (نظر إلى فقرة مشاهير الحاصلين على النيشان) - (تيودور هرتزل).
https://goo.gl/WbZfHY

تصنيف المقال : 

إضافة تعليق جديد

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
3 + 16 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.