رئيس مجلس الإدارة   
            د/ نبيلة سامى                   

                                               

          صحافة من أجل الوطن 

              (  مجلة مصر )

                             ( أحدث إصدارتنا)

الأحد 1 مارس 2026 9:12 م توقيت القاهرة

عضة عالطريق ورسالة في العميق..مقال بقلم / ياسر عامر

في ذلك المساء، كنت أحمل كاميرتي على كتفي كما أحمل مسؤوليتي في قلبي. أتنقل بين الأحداث لألتقط صورًا توثق حدثًا صحفيًا، أبحث عن زاويةٍ صادقة، وعن ضوءٍ يمنح الصورة حياتها. عملي أن أنقل الحقيقة كما هي، وأن أجعل العدسة شاهدًا أمينًا على ما يدور حولنا.
لم أكن أعلم أنني في تلك اللحظة سأتحول من ناقلٍ للخبر إلى جزءٍ منه.
بينما كنت أتهيأ لالتقاط صورة، باغتتني عضة كلبٍ في ساقي. كانت لحظة مفاجئة، كصوت فلاشٍ انطلق في غير أوانه. شعرت بالألم يسري سريعًا، لكن الغريب أن قلبي لم يمتلئ غضبًا، ولم تتسلل إليه ضغينة. نظرت إلى موضع الجرح، ثم رفعت بصري بهدوء، كأنني أبحث عن معنىٍ أعمق من مجرد واقعة عابرة.
ذهبت إلى مالكي الكلب وأخبرتهما بما حدث. بدت عليهما الدهشة، وتدفقت كلمات الاعتذار ممزوجة بالدفاع: “إنه مؤدب… أول مرة يفعلها.”
تأملت العبارة طويلًا. كم من موقفٍ في حياتنا يبدأ بخطأٍ لا يشبه صاحبه وكم من إنسانٍ يسبق فعله ندمه بلحظات.
ثم التقت عيناي بعينيه.
كان واقفًا في مكانه، لا ينبح ولا يهرب. عيناه ثابتتان عليّ بنظرةٍ لم أفهمها بعقلي، لكن قلبي التقط منها رسالة. لم تكن نظرة شراسة، ولا خوف، بل حيرةٌ صامتة. شعرت وكأن بيننا لغةً غير منطوقة، تخاطرًا خفيًا يعبر المسافة بلا صوت.
كأن عينيه تقولان: “لم أقصد… لا أعلم لماذا حدث ذلك.”
وربما كان هو نفسه مذهولًا من فعلته قبلي.
في تلك اللحظة، أدركت أن بعض الأفعال لا يسبقها تخطيط، وأن الغريزة قد تخطف صاحبها لثوانٍ ثم تتركه في حيرةٍ وندم. شعرت أن ما حدث لم يكن عداوة، بل رسالة. رسالة لا أفهم تفاصيلها بعد، لكنها بالتأكيد ليست شرًا خالصًا.
عدت إلى عملي، أرفع الكاميرا من جديد، لكنني كنت أرى العالم بعينٍ مختلفة. فهمت أن الحياة ليست فقط ما نرصده بعدساتنا، بل ما تتركه الأحداث في داخلنا من أثر. وأن الخير أحيانًا يتخفى في هيئة ألمٍ عابر، وأن الصفح قوةٌ لا يملكها إلا من امتلأ قلبه طمأنينة.
ما زالت في ساقي ندبةٌ صغيرة، لكنها كلما لامستها تذكرت تلك النظرة. نظرةٌ بلا كلمات، لكنها حملت اعتذارًا ورسالة.
وربما — في حكمةٍ لا ندركها سريعًا — كان ما حدث خيرًا لي، درسًا صامتًا علّمني أن أقرأ ما وراء المواقف، وأن أستمع لما تقوله العيون… حين يصمت كل شيء.

تصنيف المقال : 

إضافة تعليق جديد

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
6 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.