
بقلم / محمـــد الدكـــروري
جاء في شهر رمضان أنه فيه ليلة خير من ألف شهر، وقد أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته إلى تحرى هذه الليلة والتماسها، وطلب موافقتها، فعن عائشةَ السيدة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تحروا ليلةَ القدر فى الوتر من العشر الأواخر من رمضان" رواه البخارى، وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إلتمسوها في العشر الأواخر" ويعنى ليلة القدر فإن ضعف أحدكم أو عجز، فلا يغلبن على السبع البواقى" فالله عز وجل فطر النفس البشرية على حب الشهوات والميل إليها وذلك من أجل أن يؤدى دوره المنوط به في هذه الحياة، ومن أجل تحقيق ما يجلب له الخير ويدفع عنه الشر، لكن، هذه الدوافع الفطرية، إن لم تخضع لميزان المنهج الربانى القويم الذى يضمن الكرامة والعفة والاستقامة، يجعل النفس الإنسانيةَ تنجرف مع تيار الشهوات والهوى.
وتفقد مقومات إنسانيتها وكرامتها، مما يجعلها تنحرف وتسقط صاحبها فى وحل الرذيلة والانحطاط والفساد، فسفينة النجاة التى توصل الإنسان إلى شاطئ الأمان، أن يضبط نفسه وفق ما شرع الله، وأن يقودها لا أن يجعل نفسه تقوده، والناس قسمان، قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته فصار مطيعا لها، وقسم ظفر بنفسه فقهرها حتى صارت مطيعة منقادة له، وقد ذكر الله القسمين فقال فى سورة النازعات " فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هى المأوى، وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هى المأوى" فالنفس تدعو صاحبها إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب سبحانه وتعالى يأمر عبده بخوفه ونهى النفس عن الهوى، فإما أن يجيب العبد داعى النفس فتختل موازينه وقيمه وشعوره وسلوكه فيهلك، وإما أن يجيب داعى الرب، فيخضع نفسه ويجاهدها لردها إلى أمر الله ومراده.
والإلتزام بحكمه فينجو، لذلك، فاتباع هوى النفس وشهواتها على غير شرع الله، هو أساس الإنحراف عن الصراط المستقيم، وركيزة الإنجراف في حمأة الباطل والفساد، وأما الصيام فهو إحدى الوسائل فى تحقيق تربية نفس المسلم وتقويمها ومجاهدتها حتى تلتزم الصلاح والإستقامة، وهذا أعظم إنتصار يحققه المسلم، واعلموا أن الله تعالى خلق اللسان في الإنسان ليتكلم به فى أمور الخير، وليعبر به عما يحتاج إليه فى أموره، ولكن للأسف الشديد، فإن الكثير من الناس، لم يستعملوا هذا العضو فيما خلق له، بل وكثير من المسلمين فى هذا الزمان، أصبحت نعمة اللسان عليهم نقمة، وأصبحت ألسنتهم يعصى بها الله أكثر مما يطاع، فكثير من الأمراض الاجتماعية من غيبة ونميمة وسب وشتم وقذف وخصام وكذب وزور وغير ذلك، فللسان فيها أكبر النصيب، ومن هنا جاء التأكيد العظيم على حفظ اللسان.
فيقول الله تعالى " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" ومن هنا أيضا جاءت تلك الوصية العظيمة من النبى صلى الله عليه وسلم لمعاذ قال له "امسك عليك هذا" وأشار إلى لسانه، قال يا رسول الله أو نؤاخذ بما نتكلم به؟ فقال صلى الله عليه وسلم " ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس فى جهنم على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟ وأن النبى صلى الله عليه و سلم قال " إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقَمت استقمنا، و إن اعوججت اعوججنا" وأن النبى صلى الله عليه وسلم قال " إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه" وإذا أمعنا النظر، أدركنا أهمية الانتصار على اللسان فى شهر رمضان.
فمن لم يستطع أن ينتصر على لسانه ويضبطه، خاصة وهو صائم، لا يمكنه أن ينتصر في معركته مع شهواته وعدوه، بل إن الانهزام أمام اللسان وآفاته يؤدى بصاحبه إلى الإفلاس والهلاك، لذلك كان الصيام تدريبا عمليا للعبد على ممارسة عبادة " أمسك عليك لسانك" وامتلاك القدرة على التحكم فيه، وتوظيفه فى الخير، فالقلب السليم هو العملة الرابحة التي تنفع صاحبها يوم القيامة وتنقذه من عذاب الله، قال تعالى " يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم" والقلب المريض، هو ذاك القلب الأسود المظلم بأمراض الحقد والبغضاء والكراهية والحسد والكبر والاستعلاء على الناس وظلمهم.
إضافة تعليق جديد