
بقلم/نشأت البسيوني
في كل يوم نعبر بين وجوه كثيرة بعضها نلاحظه للحظة وبعضها يختفي بسرعة وكأن وجوده كان صدفة عابرة ومع ذلك فإن تلك الوجوه التي لا نعرف أسماءها ولا نعرف قصصها تترك في داخلنا أثرا لا نكتشفه إلا بعد وقت طويل فقد يحدث أن يلمح الإنسان ملامح شخص مجهول فتوقظ داخله شعورا قديما كان يظنه انتهى أو يسمع ضحكة من بعيد فتفتح داخله بابا من الذكريات أو يرى
تعبيرا على وجه أحدهم في الشارع فيعيد قراءة نفسه من جديد بدون أن يفهم السبب هذه الوجوه التي لا نلتفت إليها كثيرا تصبح مرآة غير مباشرة لحياتنا تكشف لنا ما نتجاهله وتذكرنا بما نسيناه وتعيد ترتيب أفكارنا بدون أن تتكلم كأنها رسائل عابرة مرسلة من الحياة نفسها رسائل مختصرة لكنها عميقة وكل وجه منها يحمل سرا صغيرا يخصه وسرا أكبر يخصنا نحن لأننا لا نراه كما هو بل
نراه بما في داخلنا نراه بما نحتاجه بما نفتقده بما نخشى مواجهته
ولعل أجمل ما في هذه الوجوه أنها تأتي بلا توقع وجه ربما مر أمامك ثلاث ثوان لكنه ترك داخلك سؤالا أو ألهمك فكرة أو دفعك إلى قرار ووجه آخر ربما جعلك تتوقف عن شيء أو تعيد التفكير في شيء آخر ووجه ثالث أعاد إليك إيمانا كنت تظنه انتهى وكأن الحياة تستخدم المارة ليخبرونا أن تأثير البشر لا يحتاج معرفة ولا
علاقة ولا تاريخا يكفي فقط لحظة صادقة لا تتكرر ومع الزمن يبدأ الإنسان يفهم أن حياته لم يصنعها فقط المقربون منه بل صنعها الغرباء أيضا الذين لم يعرفوا أنهم غيروا شيئا في داخله أولئك الذين لم يبق منهم سوى لمحة غير واضحة أو شعور غامض لكنه شعور قوي بما يكفي ليترك علامة لا تزول علامة ربما لا نفهمها إلا بعد سنوات حين نربط الأحداث بعضها ببعض وندرك أن الحياة لم
تضع أحدا في طريقنا عبثا وعندما يتأمل الإنسان تأثير هذه الوجوه يكتشف أن الحياة ليست سلسلة من الأحداث فقط بل سلسلة من الملامح وأن كل وجه مر به كان جزءا من قصته سواء كان وجه شخص مبتسم أعطاه أملا أو وجه متعب ذكره بقيمة ما يملل أو وجه متكبر جعله يكره التكبر أو وجه بريء أعاد إليه الطفولة أو وجه شاحب جعله يدعو دون أن يشعر يفهم أن الوجوه التي نمر بها
ليست عابرة كما نعتقد بل هي أعمق مما نظن وأن الحياة لا تغيرنا دائما عبر صدمات كبيرة بل أحيانا عبر ملامح غريبة لثوان قصيرة وأن تأثير البشر لا يحتاج إلى معرفة ولا حديث ولا علاقة بل يحتاج إلى لحظة صادقة فق لحظة واحدة قد تجعل الإنسان يدرك أن التغيير يمكن أن يأتي من أكثر الأماكن التي لم يتوقعها
إضافة تعليق جديد