
بقلم/نشأت البسيوني
يمر الإنسان بوقت يشعر فيه أن عمره الحقيقي لا يظهر في السنوات المكتوبة على هويته بل في التجارب التي مر بها في الليالي التي أنهكته في المعارك الصامتة التي لم يشاركها أحد في القرارات التي اضطر لاتخاذها وحده في الصبر الذي تعلمه رغم الألم وفي القوة التي نبتت بداخله دون أن ينتبه هذا الكبر الداخلي لا يأتي فجأة بل ينمو ببطء مع كل موقف كسره ثم أعاده للوقوف مع
كل خيبة فتحت له باب وعي جديد مع كل فقد أعاد ترتيب نظرته للحياة ومع كل لحظة ضعف كشفت له أين يجب أن يضع قلبه وأين يجب أن يسحب نفسه قبل أن ينكسر أكثر ومع هذا النضج يبدأ الإنسان يرى الأشياء بحجمها الحقيقي لا يبالغ في الفرح ولا يبالغ في الحزن لا ينتظر الكثير من أحد ولا يعطي فوق طاقته لا يلهث خلف رضا الآخرين ولا يسمح لهم بالتحكم في مشاعره يصبح أكثر
وعيا بقيمته وأكثر فهما لحدوده وأكثر احتراما لصوته الداخلي الذي تجاهله لسنوات وتصبح التفاصيل الصغيرة أهم من كل ما كان يظنه كبيرا يصبح الهدوء أغلى من الاحتفالات يصبح الصدق أهم من الكلام الكثير تصبح العلاقة العميقة أقيم من ألف علاقة سطحية وتصبح راحة البال أعظم من أي مكسب آخر ويبدأ يفهم أن كل ما يبحث عنه في الخارج لن يجده إلا إذا كان موجودا في الداخل
ومع مرور الأيام يتحول هذا النضوج إلى نور داخلي يكشف له الطريق نور لا يراه الآخرون لكن يشعر هو به نور يجعله ينسحب من الأماكن التي تضره دون صراخ ويغلق الأبواب التي لا تناسبه دون ندم ويبتعد عن الأشخاص الذين يستنزفونه دون خوف من الوحدة ويقترب فقط ممن يمنحونه دعما صادقا دون مقابل يدرك الإنسان أنه حين يكبر من الداخل يصبح أكبر من كل أذى مر به
أقوى من كل خذلان عاشه أهدأ من كل معركة واجهها وأكثر صدقا مع نفسه ومع الحياة وأن هذا الكبر الداخلي هو الهدية الحقيقية التي تمنحها له السنوات لا الشعر الأبيض ولا تغير الملامح بل الحكمة التي لا يعرفها إلا من مر بما يكفي ليفهم
إضافة تعليق جديد